فيضانات إقليم العرائش تكشف هشاشة البنيات التحتية وتدق أبواب البرلمان

الكاتب : انس شريد

30 يناير 2026 - 08:30
الخط :

أعادت الفيضانات العنيفة التي شهدها إقليم العرائش خلال الأيام الأخيرة إلى صدارة النقاش العمومي إشكالية هشاشة البنيات التحتية ومدى جاهزية السلطات لمواجهة الكوارث الطبيعية، في ظل توالي التساقطات المطرية القوية وارتفاع منسوب المياه بعدد من المناطق، وعلى رأسها مدينة القصر الكبير ونواحيها.

ولم تكن هذه الفيضانات مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل تحولت إلى حدث مقلق خلّف مشاهد من الدمار وأثار مخاوف حقيقية لدى الساكنة، بسبب الأضرار التي لحقت بالمساكن والبنية التحتية والأراضي الفلاحية، وما رافقها من تهديد مباشر لسلامة المواطنين وممتلكاتهم.

وقد أدت حدة الوضع إلى انتقال ملف الفيضانات من الميدان إلى قبة البرلمان، حيث دخلت أطراف سياسية وبرلمانية على الخط، مطالبة بتدخلات استعجالية وإجراءات استثنائية للتخفيف من آثار هذه الكارثة.

وفي هذا السياق، دعت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، إلى إعلان مدينة القصر الكبير وكافة المناطق التي ثبت تضررها أو هشاشتها بإقليم العرائش “مناطق منكوبة”، معتبرة أن هذا الإجراء من شأنه تمكين السلطات من تعبئة استثنائية للموارد والإمكانات الضرورية لدعم الأسر المتضررة والفلاحين الذين تكبدوا خسائر جسيمة.

وأوضحت التامني، في سؤال كتابي وجهته إلى وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، أن التساقطات المطرية القوية التي عرفتها المنطقة تسببت في ارتفاع خطير لمنسوب المياه وغمر عدد من الأحياء السكنية، مما خلق وضعًا مقلقًا يهدد سلامة السكان ويضاعف من معاناتهم اليومية.

وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن الخصائص الجغرافية للمنطقة تجعل بعض المجالات شبه محاصرة بالمياه عند كل ارتفاع في المنسوب، الأمر الذي يزيد من حدة المخاطر، خاصة في ظل ضعف قنوات التصريف وغياب تجهيزات وقائية كفيلة بالحد من تداعيات الفيضانات.

وأكدت النائبة البرلمانية أن الأضرار لم تقتصر على المجال الحضري، بل امتدت إلى الأراضي الفلاحية، حيث تسببت المياه في إتلاف محاصيل زراعية ونفوق مواشٍ، مما ينذر بتداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة على ساكنة تعتمد بشكل كبير على النشاط الفلاحي كمورد أساسي للعيش.

وشددت على أن هذه المخاطر لا تخص القصر الكبير وحدها، بل تشمل مناطق واسعة بجهة الغرب ومجالات ترابية مجاورة، ما يفرض اعتماد مقاربة شمولية تضمن تدخلاً منصفًا وناجعًا لفائدة جميع المتضررين.

وفي ظل تفاقم المخاوف، برزت أصوات محلية تحذر من تنامي حالة القلق في صفوف الساكنة، حيث عبّر خالد الموذن، عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة القصر الكبير، عن تخوفه من الارتفاع الملحوظ لمنسوب مياه نهر اللوكوس، الناتج عن امتلاء سد واد المخازن والتصريف الاضطراري لمياهه.

وأكد في تدوينة له عبر حسابه على الفيسبوك أن المدينة تعيش على وقع “رعب حقيقي” يسود مختلف الأحياء، مشيرًا إلى أن القلق لم يعد مقتصرًا على المناطق المنخفضة فقط، بل امتد إلى أحياء مرتفعة نسبيًا، ما دفع بعض السكان إلى التفكير في نقل ممتلكاتهم أو مغادرة منازلهم بشكل مؤقت.

واعتبر الموذن أن غياب التواصل المؤسساتي الرسمي يساهم في تضخيم منسوب الهلع، محذرًا من أن الخوف الجماعي قد يؤدي إلى خسائر أكبر من أي خطر طبيعي محتمل.

وأوضح أن تدبير مثل هذه الأزمات لا ينبغي أن يقتصر على التدخلات الميدانية، مهما بلغت أهميتها، بل يجب أن يكون مصحوبًا بتواصل واضح ومنظم، يزوّد المواطنين بمعطيات دقيقة وتعليمات رسمية تحد من انتشار الإشاعات والأخبار المتضاربة.

وفي السياق ذاته، توجه النائب البرلماني عن دائرة العرائش، محمد حماني، بسؤال كتابي إلى وزير التجهيز والماء، بشأن الإجراءات المتخذة للحد من مخاطر الفيضانات التي تهدد عددًا من الدواوير التابعة للإقليم.

وأشار إلى أن دواوير عدة، من بينها البواشتة ووارور والدرابلة، تعيش على وقع فيضانات موسمية متكررة تتسبب في عزلة قاسية للساكنة مع كل تساقطات مطرية، وتؤدي إلى غمر المنازل وإلحاق خسائر فادحة بالمحاصيل الزراعية ونفوق المواشي.

وأوضح حماني أن هذه الأوضاع تزيد من معاناة الساكنة الهشة وتهدد سلامتها الصحية وممتلكاتها، لافتًا إلى أن الوعود السابقة لمعالجة هذا الملف لم تترجم إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.

كما شدد على أن غياب قنوات الصرف الصحي والنقص الحاد في المعدات والآليات الضرورية للتدخل السريع يفاقمان من حدة الأزمة، داعيًا إلى إنجاز دراسات تقنية ومشاريع وقائية مستعجلة تضمن حماية الأرواح والممتلكات، وتقلل من تكرار هذه الكوارث.

وبالموازاة مع هذا الجدل السياسي والبرلماني، تتواصل التعبئة الميدانية الشاملة من طرف مختلف المتدخلين بمدينة القصر الكبير وباقي المناطق المتضررة بإقليم العرائش، لاحتواء آثار ارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس.

وقد انتشرت فرق التدخل، مدعومة بالآليات والموارد البشرية، في عدد من النقاط الحساسة، خاصة بمداخل المدينة والأحياء المهددة بالغمر، حيث جرى تنفيذ تدخلات وُصفت بالسريعة والفعالة.

وساهمت السلطات الإقليمية، بتنسيق مع الجماعات الترابية ووكالة الحوض المائي اللوكوس والشركة الجهوية متعددة الخدمات والمديرية الإقليمية للتجهيز والماء والوقاية المدنية، في إقامة حواجز رملية على ضفاف الوادي، وتصريف مياه الأمطار من الأحياء المنخفضة، وتنقية قنوات المياه العادمة.

كما قامت فرق الوقاية المدنية بتدخلات مكثفة داخل الأحياء المتضررة، مع إعطاء الأولوية للحالات المستعجلة، في حين وضعت فرق الهلال الأحمر المغربي إمكاناتها رهن إشارة الساكنة عند الضرورة.

وتتابع لجنة اليقظة، برئاسة عامل إقليم العرائش، عن كثب تطورات الوضع منذ الأيام الأولى للأزمة، في محاولة لضمان التنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين وتأمين السير الجيد لعمليات التدخل.

وبينما تتواصل هذه الجهود الميدانية، يبقى ملف الفيضانات مطروحًا بإلحاح على طاولة المسؤولين، في انتظار قرارات عملية ومستدامة تعالج جذور الإشكال، وتحصّن المنطقة من تكرار سيناريوهات مماثلة، في ظل تغيرات مناخية باتت تفرض تحديات متزايدة على السياسات العمومية والبنيات التحتية.

آخر الأخبار