هل حقق برنامج "فرصة" الإدماج الاقتصادي المنشود للشباب؟
يواجه عدد من الشباب المغاربة المستفيدين من برنامج “فرصة” الحكومي، الموجّه لدعم حاملي المشاريع الصغرى والمقاولين الذاتيين، وضعية صعبة تتسم بتعثر المشاريع وتزايد الضغوط المالية، في مشهد يعيد إلى الواجهة أسئلة الجدوى وفعالية المواكبة، بعدما كان البرنامج قد قُدِّم عند إطلاقه سنة 2022 باعتباره رافعة أساسية لإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية وتعزيز روح المبادرة.
وتحوّلت قصص عدد من هؤلاء المستفيدين خلال الأشهر الأخيرة إلى مادة متداولة على نطاق واسع في الفضاء الرقمي، حيث تتقاطع شهادات عن صعوبات حقيقية في تحقيق الحد الأدنى من المداخيل، مقابل التزامات مالية ثابتة تشمل أقساط القروض وواجبات كراء المحلات والرسوم الجبائية ومستحقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما وضع فئة منهم في دائرة ضيق مالي يهدد استمرارية أنشطتهم ويجعلهم على حافة الإفلاس.
وتعكس هذه المعطيات، وفق متتبعين، فجوة بين الطموح الذي رافق البرنامج والواقع الميداني الذي يعيشه جزء من المستفيدين، خاصة أولئك الذين دخلوا التجربة بإمكانيات محدودة وخبرة تدبيرية متواضعة، واعتمدوا بشكل كبير على الوعود المرتبطة بالمواكبة والتأطير بعد التمويل.
ويرى بعض حاملي المشاريع أن الإشكال لا يرتبط فقط بضعف الطلب في السوق أو بالمنافسة، بل كذلك بنقص التوجيه المتخصص والاحتضان المستمر، ما جعلهم يواجهون تحديات التسيير والتسويق والتدبير المالي بشكل شبه فردي، في بيئة اقتصادية تتسم أصلاً بالتقلب وارتفاع كلفة المدخلات.
هذا الوضع الاجتماعي والاقتصادي كان محور نقاش داخل المؤسسة التشريعية، حيث تناولت النائبة البرلمانية نجوى ككوس، عضو فريق الأصالة والمعاصرة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب المنعقدة يوم الاثنين 2 فبراير، حصيلة برنامج “فرصة” الخاص بتمويل وتكوين المقاولات الصغيرة.
وقدمت ككوس معطيات رقمية تشير إلى أن عدد المستفيدين من التمويل بلغ 21 ألفاً و200 شخص، بينما استفاد 56 ألف شخص من التكوين، مضيفة أن عدد المشاريع النشطة بعد التمويل وصل إلى 17 ألف مشروع، في حين توقفت حوالي 300 مشروع، وفق الأرقام المعروضة.
وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن هذه الحصيلة، رغم ما تحمله من مؤشرات رقمية إيجابية على مستوى الاستفادة، تخفي تحديات بنيوية، خاصة بالنسبة للشباب الذين خضعوا للتكوين وانخرطوا في التزامات قبلية، مثل كراء محلات أو الاستدانة من محيطهم الأسري، قبل أن يحصلوا على التمويل أو دون أن يتمكنوا من إطلاق مشاريع مستقرة.
واعتبرت أن طريقة تنفيذ البرنامج كشفت عن قصور في المتابعة والمواكبة، مسجلة أن عدداً من المشاريع توقفت بسبب ضعف الاحتضان من طرف الحاضنات، وهو ما حرم المستفيدين من دعم تقني وتدبيري كان يُفترض أن يشكل عنصراً حاسماً في مرحلة ما بعد الانطلاق.
ودعت ككوس الحكومة إلى التدخل لإيجاد حلول عملية توفر الطمأنينة للمستفيدين وتحافظ على الأمل في إنجاح مشاريعهم، مع تعزيز آليات التتبع والمرافقة الميدانية، بما يضمن استمرارية الأنشطة وتحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المنتظر.
كما أثارت تساؤلات حول جودة التكوين، معتبرة أن الشباب الذين يختارون قطاعات محددة كانوا في حاجة إلى تأطير متخصص يتلاءم مع خصوصيات كل نشاط، وليس تكويناً عاماً قد لا يجيب عن التحديات التقنية والتجارية الدقيقة.
في المقابل، دافعت وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، عن حصيلة البرنامج، مؤكدة في جوابها خلال الجلسة نفسها أن “فرصة” حقق نجاحاً ملموساً على الصعيد الوطني وتجاوز الأهداف المسطرة من حيث عدد المشاريع الممولة.
وأوضحت أن البرنامج جاء في إطار تنفيذ التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بإدماج الشباب في سوق الشغل، مشيرة إلى أن الهدف المتعلق بالتمويل، المحدد في 20 ألف مشروع خلال نسختي 2022 و2023، تم تجاوزه.
وأفادت المسؤولة الحكومية بأن عدد المستفيدين من التمويل بلغ 21 ألفاً و200 مستفيد ومستفيدة، بينما تجاوز عدد المستفيدين من التكوين 56 ألف شخص، مبرزة أن توزيع المشاريع الممولة عرف حضوراً قوياً في الجماعات القروية والمدن الصغيرة، بنسبة 60 في المئة سنة 2022 و72 في المئة سنة 2023.
كما سجلت ارتفاع نسبة النساء المستفيدات من 20 في المئة سنة 2022 إلى 45 في المئة سنة 2023، معتبرة ذلك مؤشراً على توسيع قاعدة الولوج إلى البرنامج وتعزيز بعده الاجتماعي.
وأضافت الوزيرة أنها ترأست اجتماع لجنة تتبع ومواكبة ما بعد التمويل، مشددة على أن البرنامج خلق دينامية اقتصادية وشجع ريادة الأعمال وساهم في إحداث فرص شغل، حيث يوجد حالياً، بحسب معطياتها، 17 ألف مشروع نشيط، وبلغ رقم المعاملات السنوي الإجمالي 1.8 مليار درهم، مع خلق 21 ألف منصب شغل.
واعتبرت أن هذه الأرقام تعكس أثراً اقتصادياً ملموساً وتؤكد أن البرنامج يشكل تجربة مهمة في مجال دعم المبادرة الفردية.
ويضع هذا الجدل برنامج “فرصة” أمام مرحلة دقيقة تتطلب، وفق للفعاليات السياسية، تقييما معمقا يتجاوز الأرقام الإجمالية نحو تحليل نوعي لمسارات المشاريع، وطبيعة الصعوبات القطاعية، وفعالية المواكبة الميدانية، حتى يتحول الدعم المالي والتكويني إلى مشاريع قادرة على الصمود والنمو، بدل أن يصبح مدخلاً إلى مديونية تثقل كاهل شباب كانوا يبحثون أساساً عن فرصة للاستقرار الاقتصادي والاندماج الاجتماعي.