تنفيذ مكثف للمحج الملكي.. هل تُصان حقوق الأسر قبل استكمال الهدم؟
عاد مشروع المحج الملكي بمدينة الدار البيضاء إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، بعد انتقاله من مرحلة التعثر الطويل إلى مرحلة التنفيذ المكثف، في سياق دينامية حضرية متسارعة تستهدف إعادة تأهيل قلب العاصمة الاقتصادية وتعزيز موقعها كقطب اقتصادي وسياحي رئيسي.
ويمثل المشروع أحد أقدم الأوراش الحضرية التي عرفتها الدار البيضاء، إذ تعود ملامحه الأولى إلى عقود مضت، غير أنه ظل لسنوات طويلة رهين تعقيدات متعددة، من بينها إكراهات العقار، وصعوبة تدبير عمليات نزع الملكية، وتعقيد ملفات إعادة الإيواء، إضافة إلى محدودية الموارد المالية في مراحل سابقة.
غير أن التطورات الأخيرة، التي توجت بالمصادقة على اتفاقيات تنظيمية جديدة وتعبئة مؤسساتية واسعة، مكنت من إعادة إطلاق المشروع بوتيرة غير مسبوقة، في مؤشر واضح على وجود إرادة لتجاوز حالة الجمود التي لازمته لعقود.
وتسعى الجهات المعنية من خلال هذا المشروع إلى إعادة الاعتبار للمدينة القديمة، وتحويلها إلى فضاء حضري متكامل يجمع بين الوظيفة الاقتصادية والجاذبية السياحية، عبر تأهيل الفضاءات العمومية، وترميم البنايات ذات القيمة التاريخية، وإعادة تنظيم الأنشطة التجارية، وإحداث مسارات سياحية وثقافية جديدة.
ويُرتقب أن يساهم هذا التحول في إدماج المدينة القديمة ضمن الدينامية الاقتصادية الحديثة، وتعزيز قدرتها على استقطاب الاستثمارات، بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تعرفها العاصمة الاقتصادية.
غير أن تسريع وتيرة التنفيذ على أرض الواقع رافقته عمليات هدم شملت عدداً من المباني والأسواق والمحلات التجارية، وهو ما أثار حالة من القلق في صفوف التجار والأسر المعنية، خاصة في ظل محدودية المعطيات المتوفرة بشأن شروط التعويض وإعادة الإدماج.
وقد وجد العديد من التجار خاصة في سوق البحيرة أنفسهم أمام واقع مفاجئ يهدد استقرارهم المهني، بعد أن شكلت هذه الفضاءات التجارية مصدر رزقهم لعقود طويلة، فيما تواجه الأسر المتضررة تحديات إضافية مرتبطة بإيجاد سكن بديل في سوق عقارية تعرف ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف الكراء، الأمر الذي زاد من حدة المخاوف المرتبطة بمستقبلهم الاجتماعي والمعيشي.
وفي هذا السياق، عبرت فدرالية رابطة حقوق النساء عن قلقها من التداعيات الاجتماعية المترتبة عن عمليات الهدم والإفراغ المرتبطة بالمشروع، معتبرة أن هذه الإجراءات قد تترك آثاراً اقتصادية واجتماعية عميقة على الأسر، خاصة النساء والأطفال الذين يمثلون الفئات الأكثر هشاشة.
وأكدت الفدرالية، في موقفها، أن أي مشروع حضري، مهما كانت أهميته التنموية، ينبغي أن يلتزم باحترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وأن يراعي الكرامة الإنسانية للمتضررين، مع ضرورة ضمان إشراك الساكنة في مختلف مراحل اتخاذ القرار، وتمكينهم من معطيات واضحة ومسبقة حول الإجراءات المرتقبة.
وشددت الهيئة ذاتها على أهمية توفير ضمانات عملية للفئات المعنية، سواء عبر تأمين سكن بديل لائق يستجيب لشروط الاستقرار، أو من خلال تعويضات عادلة ومنصفة تراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأسر المتضررة.
كما دعت إلى اعتماد مقاربة تدريجية في تنفيذ عمليات الترحيل، بما يسمح بتفادي الارتباك المفاجئ الذي قد يؤثر على الاستقرار الأسري، ويضمن استمرارية الأطفال في التمدرس، ويحافظ على ولوج الأسر إلى الخدمات الأساسية.
وأكدت الفدرالية أيضاً ضرورة فتح قنوات الحوار بين السلطات المحلية، والمنتخبين، وممثلي الساكنة، وفعاليات المجتمع المدني، من أجل إيجاد حلول متوازنة تراعي متطلبات التنمية الحضرية دون المساس بحقوق الفئات المتضررة.
واعتبرت أن المقاربة التشاركية تظل السبيل الأمثل لضمان نجاح المشاريع الكبرى، بما يعزز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، ويجنب بروز توترات اجتماعية قد تعيق مسار التنفيذ.
وسبق أن وجهت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن فدرالية اليسار، سؤالا كتابيا إلى وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت بشأن ما اعتبرته مساسًا بضمانات قانونية ودستورية مرتبطة بالحق في السكن وحماية المتضررين.
وأفاد التامني بأن هذه العمليات، التي انطلقت منذ دجنبر 2025 خارج أسوار المدينة القديمة، طالت مئات الأسر إلى جانب تجار وحرفيين، في إطار مشروع يُقدَّم تحت اسم “مشروع المحج الملكي”، وفي سياق تسريع إنجازه استعدادًا لاحتضان تظاهرات رياضية دولية.
غير أن المعطيات المتداولة ميدانيًا، وفق ما جاء في السؤال، تشير إلى اعتماد إخبارات شفوية في عدد من الحالات، مع تحديد آجال قصيرة جدًا للإفراغ لا تتجاوز أحيانًا بضعة أيام، دون تسليم قرارات مكتوبة أو توضيح الأساس القانوني المعتمد.
وسجلت التامني أن غياب المعطيات الرسمية والشفافة حول صيغ التعويض أو إعادة الإسكان يثير مخاوف حقيقية بشأن احترام الحق في المعلومة ومبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما يطرح تساؤلات حول مدى التقيد بمقتضيات نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، وما تستلزمه من مساطر دقيقة تضمن التعويض العادل وتمكين المعنيين من قرارات إدارية قابلة للطعن القضائي.
وأثار السؤال البرلماني أيضًا البعد الإنساني والاجتماعي لهذه العمليات، خاصة أنها تُنفَّذ خلال فصل الشتاء وفي وسط السنة الدراسية، وهو ما من شأنه، بحسب النائبة، تعميق هشاشة الأسر المتضررة وتهديد استقرارها الاجتماعي، فضلًا عن الإضرار بمصالح التجار الصغار والحرفيين الذين يرتبط مورد عيشهم المباشر بهذه الأحياء.
وطالبت التامني وزارة الداخلية بالكشف عن النصوص التنظيمية أو القرارات الإدارية التي تؤطر عمليات الإفراغ والهدم الجارية، وتوضيح الإجراءات المعتمدة لضمان حق المتضررين في التعويض أو إعادة الإسكان، ومعايير الاستفادة المعتمدة، وآليات المراقبة والشفافية المصاحبة لهذه العمليات.
كما دعت إلى توضيح التدابير المتخذة لحماية الأسر الهشة من التشريد، وضمان استمرارية التمدرس بالنسبة للأطفال.
في المقابل، تؤكد عمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي أن المشروع يندرج ضمن رؤية تنموية شاملة تستهدف تحسين ظروف العيش وإعادة تأهيل المجال الحضري وفق معايير حديثة، مع توفير حلول لإعادة إيواء الأسر المعنية في إطار برامج مخصصة لهذا الغرض.
وأكدت الرميلي في إحدى دورات المجلس الجماعي أن المشروع سيمكن، على المدى المتوسط والبعيد، من خلق فضاءات حضرية أكثر تنظيماً وجاذبية، وتعزيز الدينامية الاقتصادية للمنطقة، بما يعود بالنفع على المدينة وسكانها.
ويعكس الوضع الراهن تعقيد الرهانات المرتبطة بالمشاريع الحضرية الكبرى، حيث تتداخل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في معادلة دقيقة تتطلب تحقيق التوازن بين ضرورات التحديث ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي.
وبين تسارع وتيرة الإنجاز وتزايد تطلعات الساكنة إلى ضمان حقوقها، يظل نجاح مشروع المحج الملكي رهيناً بمدى القدرة على تدبير هذه المرحلة الانتقالية بحكمة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية الحضرية في إطار يحترم البعد الإنساني ويصون كرامة المواطنين.