باب الماكينة بفاس… ذاكرة التاريخ ونبض الحاضر

الكاتب : الجريدة24

28 مارس 2026 - 10:40
الخط :

أمينة المستاري

كان باب الماكينة واحدا من أبرز المعالم التاريخية بمدينة فاس، وبوابة تختزل في تفاصيلها قرونا من التحولات السياسية والعمرانية التي عرفتها العاصمة العلمية للمملكة.

ففي أواخر القرن التاسع عشر، أدرك السلطان الحسن الأول أن المغرب لم يعد ذلك الكيان المهيب الذي صنع أمجاد المرابطين والموحدين، وبعد وقائع عديدة كشفت هشاشة البنية العسكرية وأيقظت وعيا جماعيا بضرورة الإصلاح.

لم يكتف بشراء العتاد، بل راهن على بناء قاعدة صناعية وطنية تقلص التبعية، فأطلق سنة 1885 مشروع إنشاء مصنع حديث للسلاح بفاس، عرف لاحقا باسم "المكينة"، وألحق به مدرسة عسكرية لتكوين الأطر.

امتد تشييد المصنع سنوات، ورغم محدودية المردودية، مثل المشروع خطوة جريئة نحو الاستقلال العسكري، ومع فرض الحماية سنة 1912 توقف المصنع عن أداء وظيفته العسكرية، لكن مع ذلك بقيت "باب المكينة" بفاس أثرا ماديا يختزل لحظة تاريخية حاول فيها المغرب، بقيادة الحسن الأول، أن يعيد ترتيب قوته ويستأنف مسار النهوض في زمن التحولات العاصفة

شيد باب الماكينة في أواخر القرن التاسع عشر، خلال عهد السلطان مولاي الحسن الأول، في سياق تحديث البنيات العسكرية للدولة المغربية آنذاك. وقد ارتبط اسمه بـ"الماكينة" نسبة إلى مصنع الأسلحة الذي كان قائما بجواره.

وشكل الموقع جزءا من التحصينات الدفاعية لمدينة فاس، خاصة في الجهة المحاذية لفاس الجديد، التي كانت تضم القصر الملكي ومؤسسات الحكم.

ينتمي باب الماكينة إلى الطراز المعماري المغربي الأندلسي، مع حضور واضح للوظيفة العسكرية في تصميمه، فمن أبرز مميزاته: بوابة ضخمة مقوسة تعكس قوة التحصين ومهابة السلطة، جدران سميكة وأبراج جانبية تؤكد الطابع الدفاعي للبناء، زخارف هندسية ونقوش تقليدية بسيطة مقارنة بأبواب فاس التاريخية الأقدم، مثل باب بوجلود، وذلك بحكم وظيفته العسكرية أكثر من كونه معبرا مدنيا، موقع استراتيجي مقابل المشور السعيد والقصر الملكي، ما يعكس رمزيته السياسية.

باب الماكينة اليوم تحول إلى فضاء للثقافة والفن لم يعد باب الماكينة مجرد معلمة تاريخية صامتة، بل تحول خلال العقود الأخيرة إلى فضاء ثقافي مفتوح يحتضن تظاهرات وطنية ودولية كبرى: فعاليات مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، حيث يتحول الفضاء إلى مسرح مفتوح يمزج بين عبق التاريخ وسحر الموسيقى....

هذا التحول منح الموقع حياة جديدة، إذ أصبح يجمع بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر، ويجسد قدرة التراث المغربي على التأقلم والاستمرار.

بين الذاكرة والرمزية يمثل باب الماكينة أكثر من مجرد باب؛ إنه شاهد على مرحلة من تاريخ الدولة المغربية سعت فيها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، كما أنه اليوم منصة للانفتاح الثقافي والحوار الحضاري.

فبين جدرانه التي بنيت لحماية المدينة، تتعالى اليوم أنغام الموسيقى، في مشهد يعكس التحول من منطق التحصين إلى منطق الإشعاع الثقافي.

آخر الأخبار