بعد تحسن المخزون المائي.. هل حان وقت إعادة هيكلة النموذج الفلاحي للمملكة؟
في ظل التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدها المغرب، وما أعقبها من فيضانات في عدد من المناطق، خاصة بأحواض اللوكوس والغرب، عاد النقاش حول تدبير الموارد المائية والسيادة الغذائية إلى واجهة الاهتمام العمومي، في سياق يتسم بتقلبات مناخية حادة وانتقال متسارع من سنوات جفاف قياسية إلى فترات فائض مائي غير مسبوق.
وقد احتضنت مدينة الدار البيضاء لقاءً فكرياً موسعاً حول موضوع السيادة الغذائية، شكل مناسبة لاستحضار التحولات البنيوية التي يعرفها القطاعان المائي والفلاحي، وسط حضور وازن لقيادات سياسية وخبراء ومسؤولين ترابيين.
واعتُبر هذا اللقاء محطة لتقييم السياسات العمومية في ضوء المعطيات المائية الجديدة، وما تفرضه من مراجعات استراتيجية على مستوى التخطيط الفلاحي.
وفي هذا السياق، دعا وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، إلى إعادة التفكير جذرياً في أسس المقاربة الفلاحية المعتمدة وربطها بالمعطى المائي المتحول، مؤكداً أن المغرب انتقل من دورات جفاف تقليدية إلى مرحلة “الظواهر المناخية القصوى” التي تفرض نماذج تدبير أكثر مرونة واستباقية.
واستعرض الوزير أرقاماً وصفها بالمقلقة، مشيراً إلى أن متوسط الواردات المائية خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2025 لم يتجاوز 3,87 مليارات متر مكعب سنوياً، وهو أدنى مستوى مسجل منذ سنة 1945، مع تسجيل سبع سنوات متتالية من العجز المائي تراوحت نسبه بين ناقص 54 وناقص 85 في المائة.
كما أشار إلى فقدان نحو 40 ألف هكتار من المساحات المغروسة بالحوامض خلال خمس سنوات، في ظل تراجع الموارد المخصصة للسقي.
وسجل بركة أن 75 في المائة من المياه المعبأة وطنياً تُوجه إلى الفلاحة المسقية، ما يجعل أي اضطراب في المخزون المائي ينعكس مباشرة على إنتاج الحبوب والقطاني والحوامض.
كما نبه إلى أن حجم السحب من الفرشات المائية بلغ حوالي 5,4 مليارات متر مكعب سنوياً، مقابل قدرة استدامة لا تتجاوز 2,2 مليار متر مكعب، مع استغلال أكثر من 80 في المائة من الآبار دون ترخيص، وهو ما يفاقم الضغط على الموارد الجوفية.
في المقابل، أبرز الوزير التحسن المسجل بين دجنبر 2025 وفبراير 2026، حيث بلغت الواردات المائية 13,87 مليار متر مكعب، ما رفع نسبة ملء السدود إلى 70,3 في المائة، مع تجاوز 80 في المائة في 37 سداً.
واعتبر أن الانتقال من عجز بلغ 85 في المائة خلال موسم 2021-2022 إلى فائض ناهز 130 في المائة بعد أربع سنوات يعكس تحوّلاً بنيوياً يفرض مراجعة شاملة لمنظومة التخطيط المائي والفلاحي.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن المغرب يتوفر حالياً على 156 سداً كبيراً بسعة إجمالية تناهز 20,8 مليار متر مكعب، و150 سداً صغيراً ومتوسطاً، إلى جانب 17 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة سنوية بلغت 350 مليون متر مكعب سنة 2025، فضلاً عن إعادة استعمال 52 مليون متر مكعب من المياه العادمة، مع هدف رفعها إلى 100 مليون متر مكعب في أفق 2027.
وخلص اللقاء إلى أن السيادة الغذائية لم تعد تعني الاكتفاء الذاتي الشامل، بل بناء نموذج مرن يقوم على إنتاج وطني استراتيجي للمواد الأساسية، وتطوير سلاسل قيمة متكاملة، وانفتاح مدروس على الأسواق الدولية، مع تسريع تعميم السقي الموضعي وتحسين مردودية الشبكات إلى 85 في المائة، بما يضمن تحقيق توازن مستدام بين الأمن الغذائي والحفاظ على الموارد المائية.