هل يستفيد المغرب من موقف سانشيز ضد ترامب؟

الكاتب : انس شريد

05 مارس 2026 - 09:30
الخط :

تشهد العلاقات الدولية في غرب البحر الأبيض المتوسط تحولات متسارعة تعكس إعادة تشكيل موازين القوة والتحالفات بين عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، في وقت تتزايد فيه التوترات السياسية والدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإسبانيا على خلفية مواقف متباينة بشأن قضايا استراتيجية في الشرق الأوسط.

وفي خضم هذه التطورات، برزت تساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية حول ما إذا كان المغرب قد يكون أحد أبرز المستفيدين من هذا التباعد المتنامي بين مدريد وواشنطن، خاصة في ظل الشراكة المتنامية التي تجمع الرباط بالولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

وخلال العقد الأخير، شهد التعاون المغربي الأمريكي توسعاً ملحوظاً في مجالات متعددة، شملت الشراكة العسكرية والأمنية والتعاون الاقتصادي والتجاري، فضلاً عن تنسيق متزايد في القضايا الإقليمية والدولية.

ويُنظر إلى هذا التقارب على أنه جزء من رؤية استراتيجية أوسع تسعى من خلالها واشنطن إلى تعزيز حضورها في شمال إفريقيا ومنطقة غرب المتوسط، بينما تعمل الرباط على ترسيخ موقعها كشريك إقليمي موثوق في ملفات الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب.

وفي المقابل، تصاعدت في إسبانيا خلال الأيام الماضية نقاشات حادة بشأن تداعيات التوتر الدبلوماسي مع الولايات المتحدة، بعد تقارير إعلامية تحدثت عن نقاش داخل دوائر صنع القرار في واشنطن حول مستقبل بعض المنشآت العسكرية الأمريكية الموجودة في الأراضي الإسبانية.

واعتبرت أوساط سياسية وإعلامية في مدريد أن هذه التطورات قد تحمل انعكاسات استراتيجية بعيدة المدى، خاصة إذا ما قررت الولايات المتحدة إعادة تقييم انتشارها العسكري في جنوب أوروبا.

ووفقاً للتقارير الإعلامية الإسبانية، فإن بعض الدوائر في واشنطن بدأت بالفعل في مناقشة سيناريوهات بديلة لتعزيز حضورها العسكري في المنطقة، وهو ما أعاد إلى الواجهة احتمال نقل أو توسيع بعض القواعد العسكرية الأمريكية خارج الأراضي الإسبانية.

وتربط هذه التقارير بين هذه النقاشات وبين التوتر السياسي الذي طبع العلاقات بين إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز، على خلفية مواقف مدريد من بعض الملفات الدولية الحساسة.

وقد تفجرت الأزمة الدبلوماسية بين الطرفين بعد رفض الحكومة الإسبانية دعم أي عمل عسكري محتمل ضد إيران أو السماح باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في الأراضي الإسبانية لتنفيذ عمليات عسكرية في الشرق الأوسط.

هذا الموقف أثار انتقادات حادة داخل الولايات المتحدة، واعتبره بعض المسؤولين الأمريكيين خروجاً عن تقاليد التعاون العسكري الوثيق بين البلدين.

اقتصادياً، حذر التقارير الاعلامية الإسبانية من أن استمرار هذا التوتر قد ينعكس سلباً على العلاقات التجارية بين واشنطن ومدريد، خاصة وأن حجم المبادلات التجارية بين البلدين يتجاوز عشرات المليارات من الدولارات سنوياً.

كما تخشى دوائر اقتصادية إسبانية من أن يؤدي التصعيد السياسي إلى تعقيد وضع الشركات الأمريكية العاملة في السوق الإسبانية أو تعطيل مشاريع استثمارية كبرى كانت قيد الإعداد.

أما على المستوى الدبلوماسي، فتشير التحليلات السياسية في إسبانيا إلى أن مدريد بدأت تشعر بقدر من التراجع في حضورها داخل بعض دوائر القرار الدولية، خصوصاً في النقاشات المرتبطة بالأمن والدفاع داخل حلف شمال الأطلسي.

وفي هذا السياق، يبرز اسم المغرب، حسب التقارير الاعلامية الإسبانية، باعتباره أحد أبرز الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة في شمال إفريقيا، فقد عزز البلدان خلال السنوات الأخيرة مستوى التعاون العسكري من خلال مناورات مشتركة واتفاقيات دفاعية وتبادل الخبرات في مجالات الأمن والدفاع.

وترى التقارير الاعلامية في إسبانيا أن هذا التقارب المتزايد بين الرباط وواشنطن يثير قلق بعض الأوساط السياسية والإعلامية في مدريد، التي تخشى من أن يؤدي إلى إعادة رسم موازين القوة في غرب المتوسط.

ويزداد هذا القلق مع عودة الحديث داخل بعض المنابر الإعلامية الإسبانية عن احتمال نقل أو توسيع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة إذا استمرت التوترات السياسية مع الحكومة الإسبانية.

كما يثير هذا النقاش حساسية خاصة في إسبانيا بسبب موقع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، اللتين تعتبرهما مدريد جزءاً من أراضيها بينما يظل وضعهما خارج نطاق الضمانات الدفاعية الصريحة لحلف شمال الأطلسي.

ويرى بعض المحللين الإسبان أن أي تغيير في موازين التحالفات الإقليمية قد يفتح الباب أمام تحولات جديدة في طريقة التعامل مع هذا الملف المعقد.

في الوقت نفسه، شهدت الساحة الدبلوماسية الأوروبية تفاعلات متسارعة مع الأزمة المتصاعدة بين واشنطن ومدريد. فقد أعلنت المفوضية الأوروبية استعدادها للدفاع عن مصالح الاتحاد الأوروبي والتضامن الكامل مع جميع الدول الأعضاء، بما فيها إسبانيا، في حال تصاعد الخلافات التجارية مع الولايات المتحدة.

وأكد مسؤولون أوروبيون أن العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي تظل من أكثر العلاقات التجارية تكاملاً في العالم، وأن الحفاظ على استقرارها يمثل أولوية استراتيجية للطرفين، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها النظام الدولي في المرحلة الراهنة.

وفي خضم هذه التطورات، برزت أيضاً حالة من الارتباك الدبلوماسي بعد تصريحات صدرت عن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت تحدثت فيها عن موافقة إسبانيا على التعاون مع الجيش الأمريكي في سياق الحرب المرتبطة بإيران. غير أن الحكومة الإسبانية سارعت إلى نفي هذه التصريحات بشكل قاطع.

وأكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن موقف بلاده من الحرب في الشرق الأوسط لم يتغير، مشدداً على أن الحكومة الإسبانية لم تمنح أي موافقة لاستخدام القواعد العسكرية الموجودة على أراضيها في أي عمليات عسكرية ضد إيران.

وأضاف أن السياسة الخارجية لمدريد في هذا الملف تقوم على تجنب التصعيد العسكري والعمل على الحلول الدبلوماسية.

وفي ظل هذا المشهد المتغير، يبدو أن النقاش داخل إسبانيا حول تداعيات التوتر مع واشنطن لن يتوقف قريباً، خاصة مع استمرار التساؤلات حول موقع مدريد في خريطة التحالفات الدولية الجديدة، وما إذا كانت بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها المغرب، قد تتمكن من تعزيز موقعها الاستراتيجي في ظل هذه التحولات.

آخر الأخبار