الدار البيضاء أمام رهان إنهاء الفوضى.. منع "الألوان" في الواجهات و إزالة "البرابولات"
تشهد مدينة الدار البيضاء دينامية متسارعة لإعادة تشكيل صورتها العمرانية واسترجاع هويتها البصرية التي ارتبطت تاريخياً بلقب “المدينة البيضاء”، في ظل تزايد النقاش العمومي حول واقع الفضاء الحضري وما يعرفه من اختلالات جمالية نتيجة التوسع العمراني والضغط الديمغرافي.
ولم يعد هذا النقاش مقتصرا على أوساط المهتمين بالتراث العمراني أو النخب المحلية، بل تحول إلى مطلب شعبي يتردد صداه على نطاق واسع داخل الأحياء والفضاءات الرقمية.
فمع تراجع الحالة الجمالية لعدد كبير من واجهات المباني، ارتفعت الدعوات المطالبة بتدخل عاجل لإعادة تأهيل المظهر الخارجي للمدينة، باعتبار ذلك جزءاً من الحفاظ على هويتها التاريخية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والسياحية.
وتفيد المعطيات التي حصلت عليها “الجريدة 24” أن مجلس جماعة الدار البيضاء وضع إطارا تنظيميا دقيقا يهم تنظيف وصباغة واجهات المباني، في خطوة تروم فرض انسجام بصري يعكس الخصوصية المعمارية للمدينة.
ويقضي هذا الإطار بإلزام ملاك العمارات والمباني السكنية والتجارية والصناعية بإعادة صباغة واجهات بناياتهم بشكل دوري كل خمس سنوات على الأقل، أو كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وفق معايير محددة تهم الألوان المعتمدة وكيفيات التنفيذ.
وبحسب المعطيات التي توصلت بها الجريدة 24، يظل اللون الأبيض الناصع هو اللون الإجباري لواجهات مختلف البنايات، باعتباره أحد أبرز رموز الهوية البصرية للدار البيضاء، فيما يتم اعتماد اللون الرمادي الفاتح أو البني الفاتح بالنسبة للأبواب والنوافذ المصنوعة من الحديد أو الخشب، بينما يخصص اللون الفضي للأبواب والنوافذ المصنوعة من الألومنيوم.
كما تتيح هذه القواعد إمكانية اللجوء إلى خبراء ومهندسين مختصين لتحديد الخصائص التقنية للألوان وضمان احترام المعايير المعتمدة.
ويلزم القرار أيضا، حسب ما توصلت به الجريدة 24، الملاك بالحفاظ على صيانة واجهات بناياتهم بشكل منتظم، مع التأكيد على عدم جواز صباغة الواجهات المغطاة بالحجر أو الرخام أو المواد ذات الخصوصية الجمالية، حيث يمكن الاكتفاء بتنظيفها بمواد مناسبة تحافظ على طابعها الأصلي.
وفي حال تدهور حالة الواجهة بشكل يضر بالمظهر العام، فإن المجلس الجماعي يحتفظ بحق التدخل لإنجاز الأشغال على نفقة المالك، حتى في حالة عدم الامتثال، مع إمكانية تحميله مصاريف إضافية مرتبطة بالتأخير.
وتنص المقتضيات التنظيمية، حسب المعطيات المتوفرة للجريدة 24، كذلك على مسطرة تدريجية في التعامل مع المخالفين، تبدأ بإشعار رسمي موجه إلى المعنيين بالأمر مرفق بإقرار بالتوصل، يمنحهم أجلاً محدداً للامتثال، قبل أن تتحول الإجراءات إلى إنذارات كتابية، ثم تدخل مباشر من طرف الجماعة في حال استمرار المخالفة. كما يتم استخلاص تكاليف الأشغال المنجزة وفق المساطر المعمول بها في تحصيل الديون العمومية.
وفي سياق متصل، يشمل القرار تدابير إضافية للحفاظ على جمالية الواجهات وسلامة المارة، من بينها منع تثبيت التجهيزات الظاهرة بشكل عشوائي على الواجهات، مثل المكيفات أو الصحون اللاقطة، لما لها من تأثير سلبي على المشهد الحضري، مع الدعوة إلى اعتماد حلول تقنية بديلة تراعي التوازن بين متطلبات العيش العصري والحفاظ على الطابع الجمالي للمدينة.
وحسب ما توصلت به الجريدة 24، فإنه يعهد بتنفيذ ومراقبة هذه المقتضيات إلى فرق المراقبين الجماعيين المحلفين، الذين يتولون معاينة المخالفات وتحرير المحاضر اللازمة، والتي تشكل أساساً قانونياً لاتخاذ الإجراءات الزجرية في حق المخالفين. ويأتي هذا في إطار تعزيز الحكامة المحلية وضمان احترام القانون بشكل متساوٍ بين مختلف الفاعلين.
وفي هذا السياق، أكد كريم الكلايبي، عضو مجلس جماعة الدار البيضاء، في توضيح له توصلت به "الجريدة 24"، أن هذا القرار يندرج ضمن ما وصفه بـ”ثورة جمالية” تروم استعادة الهوية التاريخية للمدينة، معتبراً أن فرض اللون الأبيض ليس مجرد إجراء تقني، بل التزام سياسي يهدف إلى إنهاء مظاهر الفوضى البصرية والارتقاء بجاذبية العاصمة الاقتصادية، خاصة في ظل الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة.
وأوضح الكلايبي أن نجاح هذا الورش يقتضي اعتماد مقاربة تشاركية تقوم على التحسيس والتواصل مع الساكنة قبل اللجوء إلى الإجراءات الزجرية، مشدداً على أهمية توفير شروط الانتقال السلس نحو نموذج حضري حديث يوفق بين متطلبات التنظيم وجمالية الفضاء العام.
كما دعا إلى دعم فرق المراقبة وتزويدها بالإمكانيات اللازمة لضمان أداء مهامها في ظروف مهنية تكرس مبدأ سيادة القانون.
ويأتي هذا التوجه في ظل تفاوت ملحوظ في استجابة مختلف أحياء المدينة لهذه المبادرة، حيث أبدت بعض المناطق انخراطاً واضحاً في إعادة صباغة واجهات بناياتها، بينها مناطق بسيدي بليوط والمعاريف، مقابل استمرار معاناة أحياء أخرى من صعوبات مرتبطة بالإمكانيات المادية، وهو ما يطرح تحدي تحقيق العدالة المجالية في تنزيل هذا الورش الحضري.
ويرى المهتمين بالشأن المحلي، أن نجاح هذا المشروع يظل رهيناً بمدى قدرة السلطات على تحقيق توازن بين الصرامة في تطبيق القانون واعتماد آليات دعم اجتماعي وتقني لفائدة الفئات غير القادرة، بما يضمن إشراك الجميع في إعادة رسم ملامح المدينة.
كما يشدد هؤلاء على أن استعادة “البياض” ليست مجرد مسألة شكلية، بل تعبير عن استرجاع ذاكرة جماعية وهوية حضرية طالما ميزت الدار البيضاء كإحدى أبرز الحواضر المتوسطية.
وبين رهانات الحفاظ على التراث وضغوط التحديث، تبدو الدار البيضاء أمام منعطف حاسم في مسارها الحضري، حيث يشكل هذا القرار التنظيمي اختبارا حقيقيا لقدرة المدينة على استعادة توازنها البصري وتعزيز موقعها كحاضرة عصرية تحافظ في الآن ذاته على روحها التاريخية.
