صفقة غامضة وترحيل يثير المخاوف.. مقاطعة المعاريف على صفيح ساخن

الكاتب : انس شريد

27 مارس 2026 - 08:30
الخط :

تعيش مقاطعة المعاريف بمدينة الدار البيضاء على وقع توتر متزايد، في ظل تداخل ملفات حساسة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والساكنة على حد سواء، وسط تصاعد التساؤلات حول طرق التدبير ومدى احترام مبادئ الشفافية والحكامة في تدبير الشأن المحلي.

ويتصدر هذا الجدل، حسب ما توصلت به "الجريدة 24"، ملف إعادة تهيئة حديقة “سكوير بونا”، حيث أثار انطلاق الأشغال بها في ظروف وصفت بـ”غير الواضحة” موجة من الانتقادات داخل مجلس مقاطعة المعاريف، خاصة في ظل غياب معطيات دقيقة بشأن هوية الشركة المكلفة بالإنجاز وطبيعة المساطر التي تم اعتمادها لإسناد هذا المشروع.

وفي هذا السياق، طرح المهدي ليمينة، عضو مجلس المقاطعة، عبر حسابه على الفيسبوك، جملة من التساؤلات التي عكست حجم الغموض الذي يحيط بالملف، متسائلاً عن الجهة التي نالت الصفقة في ظل عدم تسجيل أي إعلان رسمي لطلب عروض سواء على مستوى جماعة الدار البيضاء أو المقاطعة.

كما استفسر عن الأسس التي تستند إليها هذه الشركة في تنفيذ الأشغال، والخلفيات المحتملة لذلك، وكذا طبيعة الامتيازات التي قد تكون مرتبطة بهذا التدخل.

كما شملت تساؤلات ليمينة أسباب اختيار هذه الحديقة دون غيرها من الفضاءات الخضراء التي تعاني بدورها من وضعية متدهورة، متوقفاً عند ما وصفه بتفاوت واضح في مستوى العناية بين الحدائق داخل نفس المجال الترابي، وهو ما يطرح، بحسبه، أكثر من علامة استفهام حول معايير البرمجة وتكافؤ الفرص في الاستفادة من المشاريع العمومية.

في المقابل، قدم عبد الصادق مرشد، رئيس مقاطعة المعاريف، توضيحات اعلامية أكد فيها أن المشروع يندرج ضمن برنامج شامل لإعادة تأهيل الفضاءات الخضراء، تم وضعه منذ بداية الولاية الانتدابية الحالية، مشيراً إلى أن إدراج حديقة “سكوير بونا” جاء استجابة لمطالب متكررة من الساكنة، وأن المشروع ممول في إطار حزمة مشاريع تشرف عليها جماعة الدار البيضاء.

غير أن هذه التوضيحات لم تنهِ الجدل القائم، خاصة بعد إقرار رئيس المقاطعة بصعوبة تحديد الكلفة المالية الخاصة بهذه الحديقة بشكل منفصل، نظراً لكون التمويل يتم بشكل مركزي ويشمل عدة مشاريع دفعة واحدة، وهو ما اعتبره عدد من المتابعين عاملاً يزيد من غموض الملف بدل توضيحه.

وامتد النقاش داخل مجلس المقاطعة ليشمل مكونات من الأغلبية والمعارضة، في مؤشر على تنامي القلق بشأن تدبير هذا الورش، الذي يرتبط بشكل مباشر بجودة عيش الساكنة وصورة التدبير المحلي في واحدة من أبرز مناطق العاصمة الاقتصادية.

بالموازاة مع ذلك، برز ملف آخر لا يقل حساسية يتعلق بوضعية عدد من المباني بحي درب غلف، حيث تعيش الساكنة حالة من الترقب بعد تداول معطيات حول تصنيف بعض البنايات ضمن خانة الآيلة للسقوط، في إطار توجه السلطات إلى معالجة إشكالية السكن غير اللائق وتحسين شروط السلامة داخل الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وحسب ما توصلت به “الجريدة 24”، فقد باشرت لجنة ميدانية زيارات لعدد من المباني بالحي، مع إعداد لوائح أولية للبنايات التي يُحتمل أن تكون مهددة بالانهيار، وهو ما أثار مخاوف لدى السكان بشأن مآل مساكنهم، خاصة في ظل غياب تواصل رسمي كافٍ يوضح طبيعة الإجراءات المرتقبة والتدابير المواكبة لها.

وفي خضم هذا الوضع، أصدرت تنسيقية ساكنة درب غلف بياناً إلى الرأي العام عبّرت فيه عن رفضها لأي محاولة لإفراغ الحي تحت غطاء ما وصفته بـ”التأهيل الحضري”، مؤكدة أن الحي لا يشكل مجرد وعاء عقاري، بل فضاءً اجتماعياً متكاملاً تشكل عبر عقود من الاستقرار والعمل المشترك، وارتبط بهوية الساكنة وذاكرتهم الجماعية ونشاطهم الاقتصادي.

وشددت التنسيقية على أن الحق في السكن والاستقرار يعد حقاً دستورياً غير قابل للمساومة، محذرة من أي إجراءات قد تمس بهذا الحق بشكل مباشر أو غير مباشر، كما عبرت عن رفضها استغلال مشاريع التهيئة كغطاء لإقصاء السكان أو رفع القيمة العقارية على حسابهم، مطالبة بضمانات قانونية واضحة تحول دون اتخاذ قرارات أحادية قد تمس بحقوقهم الاجتماعية.

وطالبت الهيئة ذاتها بفتح حوار رسمي ومباشر مع ممثلي الساكنة، والكشف عن تفاصيل أي مشروع يهم الحي بكل شفافية، إلى جانب إشراك السكان في مختلف مراحل التخطيط والتنفيذ، وتقديم ضمانات مكتوبة بعدم الإفراغ أو المساس بحقهم في السكن دون تعويض عادل ومتوافق عليه.

كما أعلنت التنسيقية رفضها القاطع لأي استغلال سياسي أو انتخابي لهذا الملف، مؤكدة أن القضية ترتبط بكرامة واستقرار عائلات، وليست مجالاً للمزايدات أو تصفية الحسابات، مشددة في الآن ذاته على أن كرامة الساكنة “خط أحمر” وأنها ستدافع عن حقوقها بكل الوسائل القانونية المتاحة.

وفي سياق متصل، انتقل هذا الملف إلى المؤسسة التشريعية، حيث سبق أن وجه النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية عبد الصمد حيكر سؤالا كتابيا إلى وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، دعا فيه إلى توضيح الرؤية الحكومية بشأن تدبير وضعية المباني المصنفة ضمن فئة الآيلة للسقوط بحي درب غلف، مستفسراً عن المعايير المعتمدة في هذا التصنيف، ومدى اعتماد خبرات تقنية وتقارير هندسية دقيقة.

كما طرح النائب تساؤلات حول الخيارات المتاحة أمام الملاك والسكان، سواء تعلق الأمر بإمكانية ترميم المباني القابلة للإصلاح، أو إعادة بنائها وفق الضوابط القانونية، أو التوجه نحو الهدم في إطار مشاريع إعادة تهيئة شاملة، مع التأكيد على ضرورة توفير بدائل اجتماعية تضمن استقرار الأسر المعنية.

من جهتها، جددت فعاليات مدنية وحقوقية تأكيدها على ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية في معالجة هذا الملف، تقوم على إشراك الساكنة والإنصات إلى مطالبها، مع مراعاة الخصوصيات الاجتماعية والتاريخية للحي، الذي يعد أحد المكونات الأساسية للذاكرة الحضرية للعاصمة الاقتصادية.

آخر الأخبار