أزمة هرمز تعزز التنافس بين المغرب وإسبانيا على الممرات اللوجستية
في ظل التوترات المتصاعدة التي يشهدها مضيق هرمز، عاد النقاش الدولي حول أمن الممرات البحرية إلى الواجهة، خاصة مع تنامي المخاوف من تأثير أي اضطراب محتمل على سلاسل الإمداد العالمية.
ويُعد هذا المضيق أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة الدولية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق العالمية، ما يجعله نقطة ارتكاز أساسية في توازن أسواق الطاقة.
وقد أدت التطورات العسكرية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا مع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى زيادة حالة القلق في الأوساط الاقتصادية واللوجستية.
هذه التوترات انعكست بشكل مباشر على حركة الملاحة البحرية، حيث شهدت بعض الناقلات تأخيرات واضطرابات، في وقت ارتفعت فيه تكاليف التأمين والشحن، ما زاد من الضغط على التجارة الدولية.
وتشير معطيات دولية إلى أن نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية تمر عبر هذا الممر البحري، بمعدل يقارب عشرين مليون برميل يومياً، وهو ما يجعل أي تعطيل محتمل عاملاً قادراً على إحداث اختلالات واضحة في العرض والطلب، وبالتالي التأثير على أسعار الطاقة عالمياً.
في هذا السياق، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو البحث عن بدائل لوجستية أكثر أماناً واستقراراً، قادرة على تقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.
وتبرز المملكة المغربية كأحد الخيارات الاستراتيجية المطروحة بقوة، مستفيدة من موقعها الجغرافي المتميز عند تقاطع طرق التجارة بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن بنيتها التحتية المتطورة في مجال النقل البحري.
وقد أكدت تقارير صادرة عن صحيفة إلموندو أن التحولات الجيوسياسية الراهنة منحت المغرب فرصة لتعزيز موقعه كمركز لوجستي إقليمي، حيث نجح خلال السنوات الأخيرة في تحويل موقعه الجغرافي إلى ما يمكن اعتباره “رأسمالاً جيوسياسياً” ذا قيمة متزايدة في معادلة التجارة العالمية.
ويأتي ذلك في وقت تبحث فيه الشركات الدولية، حسب التقرير الاسباني، عن ممرات بديلة تضمن استمرارية تدفق السلع بأقل المخاطر الممكنة.
وبحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية، فإن استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، إلى جانب التحديات التي تواجهها ممرات أخرى مثل قناة السويس، دفع العديد من شركات الشحن إلى إعادة رسم مساراتها البحرية، بما في ذلك المرور عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما يزيد من أهمية الموانئ الواقعة على الواجهة الأطلسية للمتوسط.
وحسب تقرير الصحيفة، فإن التنافس بين المغرب وإسبانيا على استقطاب هذه التحولات في حركة النقل البحري، حيث تسعى مدريد إلى الحفاظ على موقعها كبوابة رئيسية للبحر الأبيض المتوسط، في حين يعزز المغرب من جاذبيته عبر تقديم مزايا تنافسية تشمل انخفاض التكاليف ومرونة أكبر في العمليات اللوجستية.
وتشير المعطيات التي كشفت عنها إلموندو إلى أن الرسوم البيئية المفروضة داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة تلك المرتبطة بنظام تداول الانبعاثات، ساهمت في رفع كلفة الرسو في الموانئ الأوروبية، ما دفع بعض الشركات إلى تفضيل موانئ خارج الاتحاد.
وفي هذا الإطار، أشارت الصحيفة إلى أن تكلفة توقف سفينة واحدة في ميناء أوروبي قد تصل إلى نحو 250 ألف يورو، نتيجة الرسوم التشغيلية والضرائب البيئية المفروضة ضمن نظام تداول الانبعاثات الأوروبي (ETS)، الذي دخل حيز التطبيق التدريجي منذ 2024، إلى جانب ضرائب إضافية على الوقود البحري ابتداءً من 2025.
كما كشفت المعطيات التي أوردتها الصحيفة أن هذه التكاليف دفعت عدداً من شركات الشحن إلى تفضيل موانئ خارج الاتحاد الأوروبي، حيث أظهرت بيانات مرتبطة بنشاط الموانئ تراجع حصة الموانئ الأوروبية من 67% سنة 2023 إلى حوالي 56% في أفق 2025، مقابل ارتفاع حصة موانئ بديلة في دول مثل المغرب ومصر.
وفي المقابل، تواجه إسبانيا تحديات داخلية مرتبطة بضغط متزايد على بنيتها التحتية، حيث سجلت بعض موانئها اختناقات بسبب تراكم السفن وتحول مسارات الشحن، خاصة في ظل التأخيرات التي تعرفها الرحلات القادمة من آسيا والخليج. وتشير التقديرات إلى أن متوسط التأخير قد يصل إلى نحو 20 يوماً، ما يزيد من تعقيد سلاسل الإمداد ويؤثر على انتظام تدفق السلع.
ورغم أن واردات إسبانيا من منطقة الخليج لا تمثل سوى 4.51% من إجمالي وارداتها البحرية، أي ما يقارب 25 مليون طن من أصل 556.6 مليون طن متوقعة خلال سنة 2025، إلا أن طبيعة هذه الواردات، التي تشمل النفط الخام من العراق والسعودية، والغاز الطبيعي من قطر، إلى جانب مواد كيميائية وأسمدة، تجعلها ذات أهمية استراتيجية، وتزيد من حساسية السوق الإسبانية لأي اضطراب في المنطقة.
في المحصلة، تعكس الأزمة الراهنة في مضيق هرمز تحولات أعمق في بنية التجارة العالمية، حيث تدفع المخاطر الجيوسياسية المتزايدة نحو إعادة توزيع مسارات الشحن وتعزيز دور البدائل الإقليمية.
وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب يمتلك فرصة حقيقية لتعزيز موقعه كمحور لوجستي استراتيجي، مستفيداً من موقعه الجغرافي وتنافسيته من حيث التكاليف، في وقت تسعى فيه الشركات الدولية إلى تقليل المخاطر وضمان استمرارية تدفق التجارة العالمية.