درب غلف بين نزع الملكية والتأهيل.. قلق متصاعد وآمال بتحسين ظروف العمل

الكاتب : انس شريد

30 مارس 2026 - 10:30
الخط :

قبل الشروع في تنزيل مشروع إعادة هيكلة “جوطية درب غلف” بمدينة الدار البيضاء، يتصاعد الجدل حول مآلات هذا الورش الحضري الكبير، الذي يُراهن عليه لتحديث واحد من أشهر الفضاءات التجارية الشعبية بالمغرب، في مقابل مخاوف متزايدة لدى التجار من تداعيات نزع الملكية واحتمالات فقدان مصدر رزقهم، في ظل وعود رسمية بتدبير المرحلة الانتقالية وضمان حقوق مختلف الأطراف.

ويأتي هذا المشروع في سياق دينامية وطنية أوسع ترتبط بالاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، حيث تسعى السلطات المحلية والمنتخبة إلى إعادة تأهيل عدد من الفضاءات الحضرية ذات الكثافة الاقتصادية والبشرية، وفي مقدمتها سوق درب غلف، الذي ظل لعقود طويلة قبلة للبيضاويين وزوار المدينة، خاصة في مجال الإلكترونيات وقطع الغيار والخدمات التقنية المرتبطة بها.

ويُعد هذا السوق، الذي يضم مئات المحلات التجارية ويوفر آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، أحد أبرز ملامح الاقتصاد غير المهيكل الذي استطاع أن يفرض حضوره داخل النسيج الحضري للعاصمة الاقتصادية، رغم ما يعانيه من اختلالات على مستوى البنية التحتية والتنظيم، من قبيل غياب الربط المنتظم بالكهرباء والماء، والاعتماد على حلول مؤقتة تُثير مخاوف متكررة بشأن السلامة

وبحسب معطيات حصلت عليها "الجريدة 24" من مصادر مطلعة، فإن مشروع إعادة هيكلة السوق يندرج ضمن رؤية شاملة لإعادة تأهيل منطقة المعاريف، التي تعد من أكثر الأحياء حيوية بالدار البيضاء، وذلك في إطار مخطط حضري يروم تحسين جاذبية المدينة وتعزيز بنيتها التحتية استعدادا للاستحقاقات الدولية المقبلة، وعلى رأسها مونديال 2030، الذي يُنتظر أن يشكل محطة مفصلية في تحديث النسيج الحضري لعدد من المدن المغربية.

وحسب ذات المصادر، فإن مشروع إعادة هيكلة السوق دخل مرحلة مفصلية، بعد إحالة تصميم التهيئة على الوكالة الحضرية من أجل إبداء الرأي، حيث ستعلن قرارها في الأيام المقبلة، في أفق المرور إلى الإجراءات القانونية المرتبطة بنزع الملكية، خاصة وأن العقار لا يندرج ضمن أملاك الجماعة.

وتراهن جماعة الدار البيضاء، وفقا لذات المصادر، بعلى إدراج المشروع ضمن إطار المنفعة العامة، بما يتيح تسريع المساطر القانونية، مع تقديم وعود بضمان حقوق الملاك وتعويضهم وفق القوانين الجاري بها العمل.

في المقابل، يثير هذا التوجه مخاوف متزايدة لدى شريحة واسعة من التجار، الذين يرون في نزع الملكية إجراء قد يهدد استقرارهم المهني، خاصة في ظل غياب معطيات دقيقة حول كيفية إعادة إدماجهم داخل المشروع الجديد.

ويؤكد عدد من المهنيين، في تصريحات متطابقة استقتها “الجريدة 24”، أن مصدر القلق لا يرتبط فقط بمبدأ التأهيل في حد ذاته، بل بطريقة تنزيله، وضمان عدم إقصائهم أو تهميشهم خلال المرحلة الانتقالية.

ورغم هذه التخوفات، لا يخفي جزء من الفاعلين داخل السوق تفاؤلاً حذراً بإمكانية أن يشكل المشروع فرصة لإعادة الاعتبار لهذا الفضاء التجاري، عبر تحسين ظروف العمل، وتوفير بنية تحتية لائقة تستجيب لمتطلبات السلامة والجودة.

ويشدد هؤلاء على أن السوق، رغم طابعه غير المهيكل، يظل مصدراً رئيسياً لعيش آلاف الأسر، وهو ما يفرض، في نظرهم، اعتماد مقاربة متوازنة تزاوج بين التحديث والحفاظ على الدينامية الاقتصادية القائمة.

وتعكس الوضعية الحالية داخل درب غلف حجم التحديات المطروحة، إذ لا تزال العديد من المحلات تشتغل في ظروف صعبة، في ظل غياب الربط المنتظم بالماء والكهرباء، واعتماد حلول بديلة تفتقر لمعايير السلامة، ما يزيد من المخاطر اليومية التي يواجهها التجار والمرتفقون.

وقد شكل هذا الواقع، لسنوات، أحد أبرز دوافع المطالبة بإطلاق مشروع إصلاحي شامل يعيد تنظيم السوق ويضع حداً لاختلالاته.

من جانبها، أكدت عمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي في وقت سابق أن المشروع يندرج ضمن رؤية استراتيجية تروم تأهيل الفضاءات التجارية الكبرى بالمدينة، وتحويلها إلى مراكز عصرية تستجيب للمعايير الحديثة، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها المنافسة الاقتصادية والتحولات الرقمية.

كما تشدد على التزامها بضمان حقوق جميع الأطراف، سواء الملاك أو التجار، مع العمل على توفير حلول انتقالية تضمن استمرارية النشاط التجاري خلال فترة الأشغال.

ويأتي هذا الورش في سياق أوسع من التحولات الحضرية التي تشهدها المدينة، حيث تسعى السلطات إلى تحسين جاذبية الدار البيضاء وتعزيز بنيتها التحتية، بما يتلاءم مع متطلبات الاستحقاقات الدولية المقبلة.

غير أن نجاح هذا المشروع، بحسب المهتمين بالشأن المهني، سيظل رهينا بمدى قدرة الجهات المعنية على تدبير التوازن بين ضرورات التحديث والحفاظ على البعد الاجتماعي والاقتصادي لسوق ظل، لعقود، يشكل جزءاً من ذاكرة المدينة ونبضها التجاري.

وبين تخوف مشروع من المستقبل المجهول، وتفاؤل بإمكانية تحقيق نقلة نوعية، يظل درب غلف أمام مرحلة مفصلية ستحدد ملامح تحوله، في انتظار أن تترجم الوعود المعلنة إلى إجراءات ملموسة تضمن إنصاف المهنيين وصون استمرارية هذا الفضاء الذي ظل، لسنوات طويلة، عنواناً للتجارة الشعبية النشيطة في قلب الدار البيضاء.

آخر الأخبار