المعارضة تنتقد عطالة اللجان وتتهم الحكومة بضعف التفاعل
تتصاعد حدة الانتقادات الموجهة إلى أداء الحكومة داخل المؤسسة التشريعية، في ظرفية سياسية دقيقة تزامنت مع دخولها السنة الأخيرة من ولايتها، حيث تجد نفسها في مواجهة ضغط متزايد من قبل مكونات المعارضة التي تثير، بوتيرة متنامية، مسألة تراجع دينامية العمل البرلماني، وما تصفه بحالة “العطالة” التي باتت تطبع اجتماعات عدد من اللجان الدائمة، إلى جانب محدودية تفاعل الجهاز التنفيذي مع الآليات الرقابية التي يتيحها الدستور للنواب والمستشارين، وعلى رأسها الأسئلة الكتابية.
وفي هذا السياق، برزت انتقادات حادة من داخل قبة البرلمان، حيث اعتبر عدد من النواب أن وتيرة انعقاد اللجان لم تعد تعكس الحيوية المفترضة في العمل التشريعي، خاصة في ظل تراكم ملفات وقضايا ذات طابع استعجالي، تتطلب نقاشا مؤسساتيا معمقا ومواكبة دقيقة من قبل ممثلي الأمة.
ويرى هؤلاء أن غياب انتظام الاجتماعات، باستثناء بعض اللجان التي تحافظ نسبيا على نسق اشتغالها، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى التزام الحكومة بتغذية النقاش البرلماني وتوفير الشروط الملائمة لممارسة الوظيفة الرقابية.
وفي هذا الإطار، وجّه أحمد عبادي، عضو فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، انتقادات مباشرة لما اعتبره حالة “الجمود” التي تطبع عمل اللجان، مسجلا غياب التفاعل الحكومي مع عدد من الطلبات التي يتقدم بها النواب.
وأكد، خلال مداخلة له في إطار نقطة نظام داخل لجنة التعليم والثقافة والاتصال، أن المقتضيات القانونية المنظمة للعلاقة بين السلطتين واضحة، غير أن الممارسة تكشف، بحسب تعبيره، عن اختلالات تعيق تحقيق التوازن والتكامل المنشودين.
وسجل عبادي أن الشهرين الأخيرين شهدا حالة من الجمود داخل المؤسسة التشريعية، مشيرا إلى أن عددا من الطلبات المقدمة من طرف النواب، سواء داخل اللجان أو خارجها، لم تحظ بالتفاعل المطلوب، معتبرا أن حضور الحكومة يظل في كثير من الأحيان مرتبطا بتقديم مشاريع قوانين أو تمرير مبادرات بعينها، وهو ما يحد، في نظره، من فعالية الرقابة البرلمانية ويطرح إشكالا حقيقيا على مستوى جودة العمل التشريعي.
ولم تقتصر الانتقادات على وتيرة اشتغال اللجان، بل امتدت لتشمل مسألة التواصل بين النواب والإدارة، حيث أشار عبادي إلى وجود صعوبات في التفاعل مع المصالح الإدارية التابعة لبعض القطاعات الحكومية، رغم تفاعل الوزراء في بعض المناسبات، معتبرا أن هذا الوضع يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين المستويين السياسي والإداري داخل المؤسسات العمومية.
وفي سياق متصل، تبرز الأسئلة البرلمانية الكتابية كأحد أهم أدوات الرقابة التي يمنحها الدستور للبرلمانيين، غير أنها أصبحت، خلال الأشهر الأخيرة، محط انتقادات متزايدة بسبب ما يصفه نواب ومستشارون ببطء وتيرة تفاعل عدد من القطاعات الحكومية، وتأخرها في تقديم الأجوبة داخل الآجال القانونية المحددة.
ويؤكد عدد من الفاعلين البرلمانيين أن هذه الوضعية تفرغ هذه الآلية من مضمونها، وتحد من فعاليتها في تتبع السياسات العمومية وتقييم الأداء الحكومي.
وفي هذا الإطار، أثار خالد السطي، عضو مجلس المستشارين عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، مؤخرا، هذه الإشكالية من خلال مساءلة الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان، مشيرا إلى وجود حالة من الاستياء داخل المؤسسة التشريعية بسبب ما وصفه بـ“التأخر المفرط” في توصل البرلمانيين بأجوبة الوزراء، والذي بلغ، في بعض الحالات، سنوات.
واعتبر أن هذا الوضع يشكل إخلالا صريحا بالمقتضيات الدستورية، خاصة تلك المنصوص عليها في الفصل 100، ويؤثر سلبا على جودة العمل الرقابي.
كما دعا السطي إلى الكشف عن الأسباب الكامنة وراء هذا التأخر، مطالبا باتخاذ إجراءات تنظيمية عاجلة لضمان احترام الآجال القانونية وتعزيز التنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بما يمكن البرلمان من الاضطلاع بأدواره الرقابية بشكل فعال ومسؤول.
ومن جانبه، سبق أن سجل محمد لعسل، عضو فريق الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمجلس النواب، وجود ضعف ملحوظ في تفاعل بعض القطاعات الحكومية مع الأسئلة البرلمانية الكتابية، مشيرا إلى أن عددا من الأجوبة المقدمة تظل محدودة من حيث المضمون، ولا تتضمن معطيات دقيقة أو آجالا زمنية واضحة لتنفيذ السياسات العمومية، وهو ما يحد من قدرة النواب على تقييم الأداء الحكومي بشكل موضوعي.
وأكد لعسل في سؤاله الكتابي أن بعض الأسئلة تبقى دون جواب لمدد طويلة، مستشهدا بنماذج لأسئلة لم يتم التفاعل معها داخل الآجال القانونية، معتبرا أن هذا الوضع ينعكس سلبا على ثقة المواطنين في فعالية المؤسسات، ويضعف من دور البرلمان في نقل انشغالاتهم والدفاع عنها داخل الفضاء التشريعي.
وفي موازاة ذلك، يثير عدد من البرلمانيين مسألة تفعيل المقتضيات التنظيمية المرتبطة بتتبع الأسئلة التي لم يتم الجواب عنها، خاصة ما ينص عليه النظام الداخلي لمجلس النواب بشأن الإعلان عنها داخل الآجال المحددة، وهو إجراء يرى البعض أنه لا يفعّل بالشكل الكافي، مما يحد من إمكانية مساءلة الحكومة بشكل منتظم ويضعف آليات الشفافية.
وفي المقابل، تقدم بعض مكونات الحكومة تفسيرات ترتبط بطبيعة الأسئلة المطروحة، معتبرة أن عددا منها يتطلب وقتا إضافيا لتجميع المعطيات والإحصائيات من مختلف المصالح والإدارات، خاصة في الملفات المعقدة.
غير أن هذه التبريرات لا تبدد، بحسب منتقدي الأداء الحكومي، المخاوف المرتبطة بتراجع منسوب التفاعل مع المؤسسة التشريعية.
وبين تصاعد انتقادات المعارضة ومحاولات التفسير من جانب الحكومة، يظل موضوع فعالية الرقابة البرلمانية واحترام آجال التفاعل مع الأسئلة الكتابية مطروحا بإلحاح داخل المشهد السياسي، باعتباره مؤشرا مركزيا على جودة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعلى مدى الالتزام بتكريس مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، في سياق يتسم بتزايد الرهانات المرتبطة بتقييم الحصيلة الحكومية مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية.