هل بات الولوج إلى الإدارات العمومية عائقا يوميا أمام ذوي الإعاقة؟
بعد ما يقارب عقدين على دخول القانون رقم 10.03 المتعلق بالولوجيات حيز التنفيذ، لا يزال واقع الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب يعكس فجوة مقلقة بين النص القانوني والتطبيق العملي، في ظل استمرار صعوبات الولوج إلى المرافق العمومية والخدمات الأساسية، وهو ما يطرح تحديا حقيقيا أمام جهود تكريس المساواة وضمان الكرامة داخل نموذج الدولة الاجتماعية.
وتؤكد دراسة حديثة أنجزتها مؤسسة وسيط المملكة بشراكة مع كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي والمرصد الوطني للتنمية البشرية، أن 74 في المائة من الإدارات العمومية تفتقر إلى إطار تنظيمي واضح يؤطر ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة، مقابل 26 في المائة فقط تتوفر على وثائق أو توجيهات مكتوبة، وهي النسبة نفسها المسجلة في ما يتعلق بتعيين مصالح أو مسؤولين مكلفين بهذا الورش، ما يعكس محدودية التأطير المؤسساتي واعتماد تدبير الولوج على مبادرات فردية.
وفي ما يتعلق بالولوج الفيزيائي، تسجل المعطيات تقدما نسبيا على مستوى تهيئة مداخل الإدارات، غير أن هذا التحسن لا يشمل باقي المرافق، خاصة المرافق الصحية والإشارات التوجيهية، التي تظل ضعيفة في عدد من الحالات، بينما تلجأ 81 في المائة من الإدارات إلى حلول بديلة عند تعذر الولوج الكامل، مثل توفير المواكبة البشرية أو استقبال المرتفقين في الطابق الأرضي، وهي تدابير مؤقتة لا تعوض غياب التهيئة الهيكلية.
أما على مستوى الخدمات الإدارية، فتشير الأرقام إلى أن 90.5 في المائة من الإدارات تعتمد تكييفا أو تبسيطا لبعض المساطر لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، فيما تعتمد 78.5 في المائة إجراءات خاصة أثناء الاستقبال.
غير أن هذه المكتسبات تصطدم بضعف التكوين، حيث لم يستفد سوى 50 في المائة من الموظفين من تكوين في مجال حقوق هذه الفئة، مقابل 21.4 في المائة فقط في تقنيات التواصل الملائمة، وهو ما يحد من جودة التفاعل الإداري.
وفي سياق التحول الرقمي، أظهرت الدراسة أن 47.5 في المائة من الإدارات تقدم خدمات رقمية، مع تسجيل صعوبات لدى 10 في المائة منها في استعمال هذه الخدمات من طرف الأشخاص في وضعية إعاقة.
بينما تفيد المعطيات أن 47.6 في المائة من الإدارات تضم موظفين في وضعية إعاقة، مع اعتماد تدابير تكييف ظروف العمل بنسبة 65 في المائة، وتكييف المهام بنسبة 45 في المائة، وتهيئة فضاءات العمل بنسبة 40 في المائة، رغم استمرار إكراهات ترتبط بضعف التأطير التنظيمي بنسبة 26.2 في المائة ومحدودية الموارد بنسبة 21.4 في المائة.
وفي هذا السياق، شدد حسن طارق، وسيط المملكة، خلال تقديم نتائج دراسة أعدتها كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي ومؤسسة الوسيط بدعم من المرصد الوطني للتنمية البشرية، بعنوان :”المرتفقون في وضعية إعاقة شروط الولوج المرفقي والإدماج الإداري”، بمناسبة اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة، على أن عجز شخص في وضعية إعاقة عن الولوج إلى إدارة عمومية يتجاوز كونه وضعية فردية معزولة.
معتبرا أنه يعكس اختلالا عميقا في وظيفة المرفق العمومي، ويمس بشكل مباشر صورة الإدارة وقدرتها على تجسيد مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات.
وأوضح حسن طارق أن هذا العجز لا يقف عند حدود المعاناة الشخصية، بل يمتد ليشكل ما وصفه بـ"نزيف الثقة" في المرفق العمومي، حيث يؤدي تكرار مثل هذه الحالات إلى إضعاف علاقة المواطن بالإدارة، ويقوض الإحساس بالإنصاف، خاصة عندما يتحول الولوج إلى امتياز بدل أن يكون حقا مكفولا للجميع دون استثناء.
وأكد وسيط المملكة أن الإدماج المرفقي للأشخاص في وضعية إعاقة يعد جزءا لا يتجزأ من بناء الدولة الاجتماعية، مشيرا إلى أن نجاح الإدارة في جعل الولوج قاعدة في تصميم خدماتها وتهيئة فضاءاتها وتكوين مواردها البشرية كفيل بإعطاء معنى فعلي للمواطنة، وترجمة مبادئ العدالة إلى ممارسات ملموسة في الحياة اليومية.
كما أبرز المتحدث أن الأرقام، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعكس بشكل كامل حجم المعاناة، إذ أن حالة واحدة يعجز فيها مرتفق عن ولوج إدارة عمومية كفيلة بكشف عمق الخلل، مبرزا أن الرهان الحقيقي يكمن في تجاوز المقاربة التقنية نحو تبني رؤية شمولية تعيد الاعتبار للبعد الإنساني داخل الإدارة، وتؤسس لسياسات عمومية قائمة على الإنصاف وإزالة الحواجز المادية والمسطرية والرمزية.