خروقات التقاعد تهز مقاطعات الدار البيضاء.. والعمدة تتحرك لضبط التسيب الإداري
تتواصل في عدد من مقاطعات مدينة الدار البيضاء مظاهر اختلالات إدارية تثير نقاشا متزايدا داخل الأوساط السياسية والمنتخبة، في ظل تسجيل حالات استمرار بعض الموظفين المحالين على التقاعد في مزاولة مهامهم داخل المصالح الجماعية، رغم انتهاء علاقتهم القانونية بالإدارة.
هذه الوضعية، التي توصف بغير السليمة قانونيا، أصبحت موضوع جدل حاد خلال دورات المجالس المحلية، خاصة من طرف منتخبين في صفوف المعارضة الذين اعتبروا الأمر مساساً بمبادئ الحكامة وتكافؤ الفرص داخل المرفق العمومي.
وتحول هذا الملف إلى نقطة توتر متصاعدة، بعدما عبّر عدد من الفاعلين المحليين عن رفضهم لما وصفوه باستمرار “منطق الولاءات” في تدبير الموارد البشرية، حيث يتم، وفق تعبيرهم، الإبقاء على بعض المتقاعدين داخل المرافق الجماعية بدوافع غير مهنية، تتصل أحيانا بعلاقات شخصية أو حسابات ضيقة، بدل الاحتكام إلى معايير الكفاءة والاستحقاق.
واعتبر هؤلاء أن هذه الممارسات تحرم كفاءات شابة من فرص الولوج إلى الوظيفة العمومية، وتكرس صورة سلبية عن الإدارة المحلية.
في هذا السياق، برزت دعوات صريحة من المصطفين في صفوف المعارضة داخل جماعة الدار البيضاء إلى القطع مع هذه الظاهرة، من خلال تفعيل صارم للنصوص القانونية المنظمة للوظيفة العمومية، والعمل على تجديد النخب الإدارية داخل المقاطعات عبر فتح المجال أمام الطاقات الجديدة.
كما شدد عدد من المتدخلين مرارا خلال دورات المجلس على أن مرحلة ما بعد التقاعد ينبغي أن تُحترم كمسار قانوني واضح، يضع حداً نهائياً لأي ارتباط وظيفي، مع الحفاظ على كرامة الموظف عبر صيغ تكريم لائقة بدل الإبقاء عليه في وضعيات ملتبسة.
وفي خطوة تعكس توجها نحو معالجة هذا الاختلال، وجهت نبيلة الرميلي، رئيسة جماعة الدار البيضاء، مراسلة رسمية إلى رئيس مجلس مقاطعة الحي المحمدي، دعت فيها إلى الإنهاء الفوري لأي ممارسة تسمح لموظفين متقاعدين بالاستمرار في أداء مهام داخل المصالح الجماعية.
وجاء هذا التحرك بعد رصد حالات متكررة لعودة بعض المتقاعدين إلى العمل الإداري في ظروف لا تستند إلى أي إطار قانوني واضح.
وأكدت رئيسة الجماعة في مراسلتها أن الإحالة على التقاعد تُنهي بشكل قاطع العلاقة الإدارية بين الموظف والإدارة، ولا تترك مجالاً لأي تأويل يسمح بالاستمرار في مزاولة المهام، مشيرة إلى أن مثل هذه الممارسات تشكل خرقا صريحا لمبدأ المشروعية، وتطرح إشكالات قانونية تتعلق بتحديد المسؤوليات عن القرارات المتخذة داخل المرافق العمومية.
واستندت المراسلة إلى مقتضيات الظهير الشريف رقم 1.58.008، الذي يؤطر النظام الأساسي للوظيفة العمومية، وينص بوضوح على زوال صفة الموظف العمومي بمجرد إحالته على التقاعد، مع حصر إمكانية الاستمرار في العمل في حالات استثنائية محددة ومؤطرة بنصوص قانونية دقيقة.
كما دعت العمدة إلى اتخاذ تدابير إدارية صارمة لمنع أي موظف متقاعد من ولوج المرافق الجماعية أو ممارسة أي نشاط داخلها، مع التشديد على ضرورة تحميل المسؤولية لكل من يثبت تورطه في خرق هذه التوجيهات.
وأكدت على أهمية تتبع تنفيذ هذا القرار بشكل فعلي، من خلال رفع تقارير دورية حول مدى الالتزام به، ورصد أي صعوبات قد تعترض تطبيقه على أرض الواقع.
ويأتي هذا التحرك في إطار مساعٍ أوسع تروم تعزيز مبادئ الحكامة الجيدة داخل جماعة الدار البيضاء، وترسيخ ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، في ظل تزايد المطالب بإصلاح الإدارة المحلية وتحسين أدائها.