شد وجذب بين الأغلبية حول طرق تدبير أزمة غلاء المحروقات

الكاتب : انس شريد

02 أبريل 2026 - 06:30
الخط :

عاد ملف أسعار المحروقات في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، على إيقاع زيادات متتالية وُصفت بالملموسة، ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول فعالية السياسات العمومية في تدبير قطاع حيوي ظل لسنوات رهين منطق السوق بعد قرار التحرير.

هذه التطورات لم تمر مرور الكرام داخل الأغلبية الحكومية، بل فجّرت حالة من الشد والجذب بين مكوناتها، في مشهد يعكس تباين الرؤى حول سبل مواجهة أزمة تتجاوز أبعادها الاقتصادية إلى رهانات اجتماعية وسياسية متشابكة.

الزيادات الأخيرة، التي قاربت درهمين للتر الواحد من الغازوال وأزيد من درهم للبنزين، سرّعت من وتيرة القلق داخل الأوساط الاجتماعية والمهنية، بالنظر إلى الأثر المتسلسل الذي تخلّفه على أسعار النقل وكلفة الإنتاج، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.

وبينما تُعزى هذه الارتفاعات جزئياً إلى تقلبات السوق الدولية والتوترات الجيوسياسية في مناطق إنتاج الطاقة، فإن حدة النقاش الداخلي تكشف عن تنامي الشكوك بشأن قدرة الحكومة على احتواء تداعيات هذه التحولات أو التخفيف من حدتها.

في هذا السياق، برز تصعيد لافت من داخل الأغلبية نفسها، حيث وجّه النائب البرلماني إسماعيل بنبي، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، سؤالا كتابيا إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، دعا فيه إلى التعجيل باعتماد نظام لتسقيف أسعار المحروقات، باعتباره آلية ضرورية لحماية القدرة الشرائية وضمان استقرار السوق.

وأثار بنبي، في معرض سؤاله، إشكالية المخزون الاستراتيجي ومدى جاهزيته للتدخل في أوقات الأزمات، معتبراً أن استمرار العمل بنظام التحرير دون آليات توازن موازية يطرح علامات استفهام حول جدوى الخيارات المعتمدة.

هذا الموقف لم يكن معزولاً، إذ التقت معه مواقف حزب الأصالة والمعاصرة الذي اختار بدوره توجيه انتقادات غير مباشرة لنهج الحكومة، مقترحاً إجراءات بديلة للتخفيف من حدة الأزمة.

ففي خطوة تعكس محاولة البحث عن حلول مبتكرة، دعت النائبة البرلمانية نجوى ككوس إلى اعتماد العمل عن بُعد أو النظام الهجين داخل الإدارات العمومية، بهدف تقليص التنقلات اليومية والحد من استهلاك الوقود، وهو ما اعتبرته خياراً عملياً لتخفيف الضغط على ميزانية الأسر، خصوصاً بالنسبة للموظفين الذين يقطعون مسافات طويلة بشكل يومي.

ولم يقتصر طرح “البام” على هذا المقترح، بل امتد إلى دعوة الحكومة إلى تحسين استهداف الدعم العمومي وتعزيز النجاعة في تدبيره، مع التشديد على ضرورة التعجيل بصرف الدعم الموجه لمربي الماشية، في أفق خفض أسعار اللحوم الحمراء مع اقتراب عيد الأضحى.

كما حذر الحزب من استغلال بعض الفاعلين الاقتصاديين للأزمة لرفع الأسعار بشكل غير مشروع، داعياً إلى تشديد المراقبة والتصدي لما وصفه بـ”تجار الأزمات”.

في المقابل، يجد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة، نفسه في موقع الدفاع عن حصيلة تدبيره، مستنداً إلى معطيات مرتبطة بالسياق الدولي وتكلفة الإجراءات المتخذة.

غير أن اللافت في هذا السياق هو حالة الصمت التي طبعت تعاطي الحكومة مع بعض الأسئلة الحساسة، وعلى رأسها وضعية المخزون الوطني من المحروقات، حيث لم تقدم معطيات دقيقة خلال الندوة الصحافية الأخيرة التي أعقبت مجلس الحكومة، مكتفية بعرض عام للإجراءات دون الخوض في التفاصيل.

ورغم هذا التحفظ، استعرض الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع حزمة من التدابير التي قالت الحكومة إنها تهدف إلى التخفيف من آثار الأزمة، من بينها الحفاظ على سعر غاز البوتان رغم ارتفاع كلفته، وهو ما يكلف الدولة دعما إضافيا يصل إلى 78 درهما للقنينة الواحدة، بكلفة إجمالية تقارب 600 مليون درهم شهرياً.

كما تم الإبقاء على تسعيرة الكهرباء دون تغيير، رغم ارتفاع كلفة الإنتاج، في إجراء تصل كلفته إلى 400 مليون درهم شهرياً.

وفي ما يتعلق بقطاع النقل، أكدت الحكومة استمرار دعم مهنيي النقل عبر تخصيص 3 دراهم عن كل لتر من الوقود، بكلفة شهرية تناهز 648 مليون درهم، مع توجيه هذا الدعم إلى مختلف الفئات المهنية، بما في ذلك سيارات الأجرة والحافلات والنقل المدرسي والسياحي.

وبين الدعوات إلى مراجعة نظام تحرير الأسعار واعتماد آليات لضبط السوق، وتمسك الحكومة بخياراتها الحالية مع تعزيز الدعم الموجه، يبدو أن أزمة المحروقات تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى انسجام مكونات الأغلبية وقدرتها على تقديم إجابات مقنعة وفعالة.

آخر الأخبار