هل يحمل ما تبقى من الولاية الحكومية انفراجا لملف المعاشات؟
عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب إلى صدارة النقاش العمومي مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، في ظل تنامي المخاوف بشأن هشاشة التوازنات المالية للصناديق التقاعدية، وتزايد التحذيرات من احتمال عجزها عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين خلال السنوات المقبلة، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار سياسي واجتماعي معقد في مرحلة دقيقة تتسم بتصاعد الانتظارات وضيق هامش المناورة.
ويأتي هذا الجدل في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الضغوط على القدرة الشرائية للأسر، ما جعل من مسألة هزالة المعاشات أحد أبرز الملفات الاجتماعية التي تفرض نفسها بقوة على أجندة النقاش العمومي، باعتبارها قضية تتجاوز البعد التقني المرتبط بتوازنات الصناديق لتلامس بشكل مباشر شروط العيش الكريم لفئات واسعة من المواطنين.
وفي هذا الإطار، أكد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري أن الحكومة لا يمكن أن تسمح باستمرار تسقيف معاشات التقاعد بشكل دائم، مشددا على أن تطور مستوى المعيشة يفرض بالضرورة مراجعة هذه المعاشات بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد.
وأوضح، خلال الندوة الأسبوعية للناطق الرسمي باسم الحكومة المنعقدة يوم الخميس 30 أبريل 2026، أن مطالب المتقاعدين بتحسين أوضاعهم تبقى مشروعة، بالنظر إلى التحديات التي يواجهونها في ظل ارتفاع تكاليف الحياة.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن من غير المقبول استمرار المعاشات عند مستويات ثابتة لا تعكس التغيرات التي يشهدها الاقتصاد الوطني، معتبرا أن إصلاح هذا الورش يتطلب مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار التوازن بين الحفاظ على استدامة الصناديق وضمان حقوق المنخرطين والمتقاعدين.
كما أبرز أن الحكومة شرعت في اتخاذ عدد من الإجراءات العملية، من بينها تقليص مدة الاشتراك في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من 10 سنوات إلى 4 سنوات، بهدف توسيع قاعدة المستفيدين وتمكين فئات أوسع من الأجراء من الولوج إلى المعاش.
وأضاف أن الأجراء الذين لم يتمكنوا من استيفاء هذه المدة المخفضة أصبح بإمكانهم استرجاع مجموع اشتراكاتهم واشتراكات مشغليهم، وهو الإجراء الذي استفاد منه، بحسب المعطيات الرسمية، أكثر من 80 ألف شخص بأثر رجعي، في خطوة اعتبرتها الحكومة جزءا من مسار إصلاحي تدريجي يروم معالجة الاختلالات القائمة.
وفي السياق ذاته، أشار السكوري إلى أن الحكومة بادرت إلى تحسين جزئي في المعاشات من خلال زيادة بنسبة خمسة في المائة، مؤكدا أن أي خطوات إضافية في هذا الاتجاه ستظل رهينة بمخرجات الحوار الاجتماعي مع الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين، في إشارة إلى أهمية التوافق في معالجة هذا الملف الحساس الذي تتقاطع فيه رهانات مالية واجتماعية وسياسية.
في المقابل، يتواصل الضغط من طرف الهيئات الممثلة للمتقاعدين، حيث سبق أن وجهت فيدرالية الجمعيات الوطنية للمتقاعدين بالمغرب رسالة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، عبّرت فيها عن قلقها إزاء الأوضاع المادية والصحية والمعنوية لهذه الفئة، مشيرة إلى أن المعاشات الحالية لم تعد قادرة على تغطية الحد الأدنى من متطلبات العيش في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
واعتبرت الفيدرالية أن فئة المتقاعدين أضحت من بين أكثر الفئات الاجتماعية هشاشة، رغم ما قدمته من سنوات خدمة ومساهمة في الاقتصاد الوطني، مطالبة بإجراءات مستعجلة تشمل الرفع من الحد الأدنى للمعاشات بما يتماشى مع الحد الأدنى للأجور، وتمكين الأرامل من الاستفادة الكاملة من معاشات أزواجهن، إلى جانب تحسين التغطية الصحية وتحيين التعريفة الوطنية المرجعية للعلاجات والخدمات الطبية.
ويعكس هذا التباين بين المقاربة الحكومية وتطلعات المتقاعدين حجم التعقيد الذي يطبع ملف إصلاح أنظمة التقاعد، حيث تجد الحكومة نفسها أمام ضرورة تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستدامة المالية للصناديق وضمان العدالة الاجتماعية، في وقت يزداد فيه الضغط السياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ما يجعل من هذا الورش أحد أبرز الاختبارات التي ستحدد جزءا من تقييم الحصيلة الحكومية ومدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات فئات واسعة من المجتمع.