البام والميزان ينقلبان على الحمامة في ملف فراقشية السمك

الكاتب : انس شريد

15 يونيو 2026 - 10:30
الخط :

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة، بدأت ملامح إعادة تموقع سياسي داخل مكونات الأغلبية الحكومية تتضح بشكل متزايد، من خلال الانتقال التدريجي من خطاب يرتكز على الدفاع عن الحصيلة الحكومية إلى خطاب اجتماعي أكثر التصاقًا بالانشغالات اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واختلالات الأسواق.

ويبدو أن ملف الوسطاء بات يحتل موقعًا متقدمًا ضمن أولويات هذا التحول، في ظل تنامي الجدل حول تأثير حلقات الوساطة المتعددة على أسعار المواد الأساسية.

ويأتي هذا التوجه في سياق سياسي واقتصادي دقيق، يتسم باستمرار الضغوط الاجتماعية الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد المطالب الشعبية بإجراءات ملموسة تحد من موجة الغلاء التي أثقلت كاهل الأسر خلال السنوات الأخيرة.

وفي مؤشر لافت على هذا التحول، وجه برلمانيو حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال انتقادات مباشرة إلى تدبير القطاع، محملين شبكات الوسطاء، المعروفة شعبيا بـ"فراقشية السمك"، جزءا كبيرا من مسؤولية الارتفاعات التي تعرفها أسعار المنتوجات البحرية رغم الإمكانات البحرية الكبيرة التي تزخر بها المملكة.

وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، برز تقارب واضح في مواقف الحزبين المكونين للأغلبية الحكومية بشأن الاختلالات التي تطبع مسالك تسويق السمك، حيث شدد نواب من الفريقين على أن تعدد المتدخلين بين مرحلة تفريغ المنتوج البحري ووصوله إلى المستهلك النهائي يساهم في تضخم الأسعار بشكل يرهق القدرة الشرائية للأسر المغربية، في الوقت الذي لا ينعكس فيه هذا الارتفاع على مداخيل البحارة الذين يظلون الحلقة الأضعف داخل المنظومة.

وفي هذا السياق، اعتبرت إلهام الساقي، النائبة البرلمانية عن فريق الأصالة والمعاصرة، أن منظومة توزيع وتسويق المنتوجات البحرية ما تزال تواجه تحديات كبيرة رغم المجهودات المبذولة لتطويرها، مشيرة إلى أن استمرار تعدد الوسطاء يؤدي إلى تسجيل فروقات واسعة في الأسعار بين البيع الأولي والبيع النهائي.

وأكدت أن عددا من الأسواق ونقط التسويق ما يزال في حاجة إلى التأهيل والتجهيز، إلى جانب تعزيز إمكانيات التبريد والحفظ والنقل، بما يضمن وصول الأسماك إلى مختلف مناطق المملكة في ظروف مناسبة وبأسعار معقولة.

كما دعت النائبة البرلمانية إلى تشديد آليات المراقبة والرقابة على مختلف حلقات التسويق، معتبرة أن تمكين المواطنين من الاستفادة من الثروة السمكية الوطنية يقتضي معالجة الاختلالات القائمة داخل قنوات التوزيع.

وأشارت إلى أن العالم القروي بدوره يواجه صعوبات مرتبطة بارتفاع الأسعار وضعف العرض المنتظم، الأمر الذي يستدعي إجراءات أكثر فعالية لضمان وصول المنتوجات البحرية إلى مختلف الفئات الاجتماعية.

ومن جهته، انضم الفريق الاستقلالي إلى هذا التوجه الانتقادي، حيث أكد النائب البرلماني عصام عيساوي أن قطاع الصيد البحري لا يزال يعاني من اختلالات مؤثرة على مستوى التسويق والتوزيع، تنعكس بشكل مباشر على المستهلكين والبحارة في آن واحد.

وأبرز أن المفارقة تكمن في كون المغرب يتوفر على شريط ساحلي يمتد لآلاف الكيلومترات وثروة سمكية مهمة، ومع ذلك تبقى الأسماك بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين بسبب الارتفاع المستمر للأسعار.

وسجل عيساوي أن بعض أنواع الأسماك، وعلى رأسها السردين، تعرف قفزات كبيرة في الأثمان بين أسواق الجملة والمدن الداخلية، موضحا أن الأسعار تنتقل من مستويات منخفضة عند البيع الأول إلى أرقام مرتفعة بشكل لافت عند وصول المنتوج إلى المستهلك النهائي.

وأرجع هذا الوضع إلى تعدد الوسطاء وانتشار المضاربات وارتفاع تكاليف التوزيع، معتبرا أن المستفيد الأكبر من هذه الوضعية هم الوسطاء الذين يحققون هوامش ربح مهمة على حساب البحارة والمستهلكين.

وطالب النائب الاستقلالي باتخاذ إجراءات عملية لتقليص عدد المتدخلين داخل سلاسل التسويق وتعزيز الشفافية والحكامة في تدبير القطاع.

في المقابل، دافعت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، عن حصيلة البرامج المنجزة لتطوير منظومة تسويق المنتوجات البحرية، مؤكدة أن إعادة هيكلة القطاع تشكل أحد المحاور الأساسية لخارطة الطريق الممتدة بين سنتي 2025 و2027.

وأوضحت أن الدولة استثمرت خلال السنوات الأخيرة في تحديث البنيات التحتية الخاصة بالأسواق وتعزيز الرقمنة وتحسين شروط التخزين والنقل والتبريد بهدف الرفع من مستوى الشفافية والنجاعة داخل مختلف مراحل التسويق.

وأشارت المسؤولة الحكومية إلى أن المغرب أصبح يتوفر على شبكة واسعة من أسواق بيع السمك تضم عشرات المرافق الموزعة على مختلف جهات المملكة، بما في ذلك أسواق من الجيل الجديد وأسواق مخصصة للبيع الثاني بالجملة خارج الموانئ، فضلا عن مشاريع أخرى توجد في طور الإنجاز.

كما أكدت أن الوزارة تعمل على تعميم أسواق القرب العصرية المخصصة للبيع بالتقسيط بهدف تقريب المنتوجات البحرية من المستهلكين والحد من بعض الاختلالات المرتبطة بسلاسل التوزيع.

وأبرزت الدريوش أن الرقمنة أصبحت تشكل ركيزة أساسية في تدبير القطاع، من خلال اعتماد أنظمة إلكترونية لتتبع عمليات التصريح بالمصطادات وتنظيم المزادات العلنية داخل الأسواق، إلى جانب تطوير آليات رقمية لوزن الكميات المفرغة من طرف أساطيل الصيد.

كما شددت على أن الدولة عملت على تحديث منظومة تداول المنتوجات البحرية عبر تعميم الصناديق المعيارية وتوسيع شبكة إنتاج الثلج وتعزيز قدرات التخزين والتبريد بشراكة مع القطاع الخاص، معتبرة أن هذه الاستثمارات ساهمت في تحسين جودة المنتوجات والحفاظ عليها خلال مختلف مراحل التسويق.

ورغم هذه المعطيات، فإن النقاش الذي شهدته المؤسسة التشريعية يعكس اتساع دائرة المطالب الداعية إلى معالجة أكثر عمقا للاختلالات المرتبطة بالوسطاء والمضاربين، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة.

آخر الأخبار