الدعم الاجتماعي في قلب المعركة الانتخابية.. ووعود بمراجعة شروط الاستفادة
بدأ ملف الدعم الاجتماعي المباشر يفرض نفسه بقوة على المشهد السياسي المغربي مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة خلال شهر شتنبر المقبل، بعدما انتقل من كونه ورشاً اجتماعياً ضخماً تراهن عليه الدولة لتعزيز الحماية الاجتماعية إلى أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش بين مكونات الأغلبية والمعارضة، في ظل تزايد الشكاوى المرتبطة بمعايير الاستهداف وحرمان عدد من الأسر من الاستفادة من الدعم رغم هشاشة أوضاعها الاجتماعية.
وتكشف المواقف السياسية الصادرة خلال الأيام الأخيرة عن بداية مرحلة جديدة من التنافس الحزبي حول القضايا الاجتماعية ذات الارتباط المباشر بالحياة اليومية للمواطنين، حيث تتجه مختلف الأطراف إلى التركيز على ملفات القدرة الشرائية والدعم الاجتماعي وغلاء المعيشة باعتبارها قضايا تحظى باهتمام واسع داخل المجتمع، خاصة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية التي تواجهها فئات واسعة من الأسر المغربية.
ويأتي هذا التحول في الخطاب السياسي بعد أشهر من الجدل الذي رافق تنزيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، والذي استفادت منه ملايين الأسر في إطار الورش الملكي المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، غير أن ظهور حالات مرتبطة بإقصاء بعض الأسر أو فقدانها للاستفادة بعد فترة من الحصول على الدعم أعاد إلى الواجهة تساؤلات متزايدة بشأن مدى دقة مؤشرات الاستهداف المعتمدة داخل السجل الاجتماعي الموحد.
وفي هذا السياق، أكد فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، اليوم الاثنين، أن الحكومة تتجه نحو مراجعة عدد من المعايير والمؤشرات المعتمدة في منظومة الدعم الاجتماعي المباشر، وذلك في إطار التحضير لمشروع قانون المالية المقبل الذي يجري إعداده وفق مقاربة تروم تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين فعالية آليات الاستهداف.
وأوضح المسؤول الحكومي خلال المناقشة والتصويت على مشروع القانون رقم 41.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، بلجنة المالية بمجلس النواب، اليوم الاثنين، أن مختلف المؤشرات المعتمدة حالياً ستخضع للتقييم والمراجعة إذا تبين أنها تؤدي إلى إقصاء غير مبرر لفئات تستحق الاستفادة من الدعم.
وأصبح معيار امتلاك بعض التجهيزات أو الوسائل الرقمية من بين أكثر المؤشرات إثارة للنقاش، بعدما اعتبر عدد من المواطنين أن وجود هاتف أو بعض المقتنيات البسيطة لا يعكس بالضرورة تحسنا حقيقيا في مستوى الدخل أو القدرة المعيشية.
وأكد لقجع أن الحكومة تدرك وجود هوامش للخطأ داخل أي منظومة اجتماعية بهذا الحجم، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي يظل ضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة والأكثر حاجة إليه.
كما شدد على أن التجربة المغربية راكمت معطيات وخبرات مهمة خلال السنوات الأخيرة، بما يسمح بتطوير منظومة الاستهداف بشكل مستمر وتحسين فعاليتها بناء على النتائج المسجلة ميدانياً.
وتراهن الحكومة على الانتقال التدريجي نحو أنظمة أكثر دقة في تحديد المستحقين للدعم، من خلال تطوير آليات تقييم الوضعية الاقتصادية للأسر والاعتماد على مؤشرات أكثر ارتباطاً بمستوى الدخل الحقيقي والقدرة الشرائية الفعلية، في أفق تجاوز بعض الاختلالات التي برزت خلال المراحل الأولى من تنزيل المشروع.
وفي خضم هذا النقاش، برزت مواقف سياسية داخل الأغلبية الحكومية تدعو بدورها إلى مراجعة عدد من المؤشرات المعتمدة حالياً.
فقد أكد نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، يوم أمس الأحد، في لقاء حزبي بسلا، أن حزبه إذا فاز في الانتخابات سيعيد النظر في بعض المعايير التي تسببت في فقدان أسر للدعم رغم استمرار هشاشتها الاجتماعية، مشيراً إلى أن الهدف يتمثل في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار وضمان عدم تعرض المستفيدين لانقطاعات مفاجئة تؤثر على توازنهم المالي والاجتماعي.
وأوضح بركة أن الدعم الاجتماعي المباشر ينبغي أن يؤدي وظيفة تتجاوز مجرد تقديم إعانة مالية ظرفية، ليصبح أداة لتعزيز الأمن الاجتماعي للأسر ومساعدتها على مواجهة التحديات الاقتصادية المتزايدة.
كما اعتبر أن معالجة الاختلالات المرتبطة بالاستهداف تمثل أولوية خلال المرحلة المقبلة لضمان نجاح هذا الورش الاجتماعي الكبير وتحقيق الأهداف التي أطلق من أجلها.
ولم يقتصر الجدل على الأغلبية الحكومية فقط، بل امتد إلى أحزاب المعارضة التي وجدت في هذا الملف فرصة لطرح تصورات بديلة تستهدف استقطاب الناخبين قبل أشهر من الاستحقاقات المقبلة.
وفي هذا الإطار، أعلن نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، عن توجه حزبه إذا ترأس الحكومة المقبلة، نحو رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم شهريا عوض 500 درهم المعمول بها حالياً بالنسبة لبعض الفئات، إلى جانب توسيع دائرة المستفيدين ومعالجة الاختلالات التي تعيق وصول الدعم إلى الأسر المحتاجة.
ويعكس دخول المعارضة على خط هذا النقاش التحول التدريجي لملف الدعم الاجتماعي إلى أحد أبرز عناوين التنافس السياسي خلال المرحلة المقبلة، خاصة أن القضايا المرتبطة بالدخل والقدرة الشرائية أصبحت تحتل موقعاً متقدماً ضمن أولويات المواطنين.