مع اقتراب عيد الأضحى.. عودة النقاش البرلماني حول المضاربة ووحدات التسمين
على بعد أسابيع قليلة من حلول عيد الأضحى، بدأت مؤشرات الارتفاع في أسعار الأضاحي تلوح في أفق الأسواق المغربية، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف فئات واسعة من المستهلكين الذين يواجهون أصلاً تراجعاً ملموساً في قدرتهم الشرائية.
ويأتي هذا الوضع في سياق اقتصادي يتسم باستمرار غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف عدد من المواد الأساسية، الأمر الذي يجعل من اقتناء الأضحية تحدياً حقيقياً لعدد متزايد من الأسر المغربية.
وتكتسي مناسبة عيد الأضحى أهمية خاصة داخل المجتمع المغربي، حيث لا تقتصر على بعدها الديني فحسب، بل تمثل تقليداً اجتماعياً راسخاً يعكس قيم التضامن والتكافل بين مختلف فئاته. غير أن التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج الفلاحي وتداعيات توالي سنوات الجفاف، أثرت بشكل مباشر على القدرة على الحفاظ على هذا التقليد، وجعلت الكثير من الأسر تعيد النظر في ميزانيتها مع اقتراب هذه المناسبة.
وفي ظل هذه المعطيات، يتجدد النقاش حول وضعية القطيع الوطني ومدى كفايته لتلبية الطلب المتوقع خلال فترة العيد، إلى جانب الجدل القائم بشأن أسعار الأعلاف وتكاليف تربية الماشية، التي يقول مهنيون إنها شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية.
ويوازي ذلك استمرار أسعار اللحوم الحمراء في مستويات مرتفعة، حيث تتراوح أثمنة لحم الغنم بالتقسيط ما بين 120 و150 درهماً للكيلوغرام الواحد، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تعرفها سلسلة الإنتاج والتوزيع.
ورغم تأكيد بعض الفاعلين في القطاع الفلاحي توفر عرض كافٍ من الأغنام والماعز، مع تقديرات تشير إلى تجاوز القطيع الوطني سقف 30 مليون رأس، فإن مربي الماشية يحذرون من أن ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية ينعكس بشكل مباشر على الأسعار النهائية، في حين يرى متتبعون أن جزءاً من هذا الارتفاع يرتبط كذلك بتدخل الوسطاء والمضاربين داخل الأسواق، ما يفاقم من حدة التفاوت بين العرض والأسعار المعروضة للمستهلك.
وفي خضم هذا الجدل، دخل البرلمان على خط النقاش، حيث أثار الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب ملف أسعار الأضاحي وتنظيم الأسواق، موجهاً انتقادات لآليات ضبط السوق، ومطالباً بتدابير أكثر صرامة للحد من المضاربات.
وفي هذا السياق، وجه النائب البرلماني محمد الركاني سؤالاً شفهياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري أحمد البواري، حول سبل مواجهة الارتفاع المرتقب في أسعار الأضاحي، رغم الدعم المالي الذي تم توجيهه إلى قطاع الأعلاف والمستوردين.
وأشار الركاني إلى أن المعطيات المتوفرة تفيد بوجود وفرة في العرض، مقابل استمرار تسجيل أثمنة مرتفعة، معتبراً أن الخلل يكمن أساساً في الوساطة غير المهنية التي تفتح المجال أمام المضاربين لرفع الأسعار. ودعا في هذا الصدد إلى تفعيل نظام البطاقة المهنية للكساب، كآلية تنظيمية لتقنين الولوج إلى أسواق الماشية الكبرى خلال فترة عيد الأضحى، بما يضمن البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، ويحد من تدخل الوسطاء، ويساهم في تخفيف العبء المالي عن المواطنين.
وفي جانب آخر، سلط النائب البرلماني ذاته الضوء على إشكالية جودة اللحوم وسلامة الأضاحي، مشيراً إلى أن نظام الترقيم المعتمد يتيح تتبع مسار الأضحية، غير أن جودة اللحوم تبقى مرتبطة أساساً بنوعية الأعلاف المستعملة داخل وحدات التسمين خلال الأشهر الأخيرة قبل العيد.
وأثار في هذا الإطار مخاوف متكررة لدى المواطنين بشأن بعض الظواهر المرتبطة بتغير جودة اللحوم، متسائلاً عن مدى نجاعة المراقبة الصحية المفروضة على الضيعات.
كما استفسر الركاني وزير الفلاحة عن عدد الجولات الرقابية التي تقوم بها اللجان المختصة لرصد التجاوزات المحتملة، خاصة في ما يتعلق باستعمال مواد غير مرخصة أو مخلفات قد تؤثر على جودة اللحوم، إلى جانب الإجراءات الزجرية المتخذة في حق المخالفين قبل وصول رؤوس الأغنام إلى الأسواق. ودعا إلى تقديم ضمانات واضحة تحول دون تكرار هذه الإشكالات، بما يضمن حماية صحة المستهلكين ويعزز الثقة في المنتوج الوطني.
ويأتي هذا التفاعل البرلماني في وقت يواصل فيه المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية تكثيف جهوده لمراقبة سلاسل الإنتاج وضمان مطابقة الأضاحي للمعايير الصحية، غير أن تعدد المتدخلين في القطاع وتعقيد مسالك التوزيع يطرحان تحديات إضافية أمام ضبط السوق بشكل كامل.