المعارضة تحذر من هشاشة الدولة الاجتماعية وتطالب بحماية المال العام
تصاعدت حدة الانتقادات التي وجهتها مكونات المعارضة داخل مجلس المستشارين للحكومة خلال جلسة مناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، بعدما اعتبرت أن عددا من المؤشرات الواردة في التقرير تكشف استمرار اختلالات بنيوية تمس فعالية السياسات العمومية وتحد من قدرة الدولة الاجتماعية على تحقيق أهدافها، محذرة من أن ضعف الحكامة واستمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية يهددان استدامة عدد من الأوراش الإصلاحية الكبرى، وفي مقدمتها ورش الحماية الاجتماعية.
وشهدت الجلسة العمومية المنعقدة الأربعاء 13 ماي 2026 نقاشا سياسيا واسعا حول مخرجات التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، حيث اعتبرت فرق المعارضة أن التقارير الرقابية لم تعد مجرد وثائق تقنية مرتبطة بالتدقيق المالي والإداري، بل تحولت إلى مرجع سياسي ودستوري لقياس مدى نجاعة البرامج العمومية ومدى انعكاسها الفعلي على أوضاع المواطنين، خاصة في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المملكة.
وفي هذا السياق، أثار الفريق الحركي ما وصفه بإشكالية غياب الإنصاف المجالي، معتبرا أن برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية لم ينجح بالشكل الكافي في ردم الهوة التنموية بين مختلف جهات المملكة، رغم الاعتمادات المالية الكبيرة التي جرى رصدها خلال السنوات الماضية.
وسجل الفريق وجود اختلالات مرتبطة بضعف التوجيه الترابي للاستثمارات العمومية والخاصة، إلى جانب محدودية حضور البعد الجهوي داخل عدد من السياسات العمومية.
ودعا الفريق ذاته الحكومة إلى تسريع إصلاح جبايات الجماعات الترابية والرسوم شبه الضريبية بهدف تعزيز الموارد المالية للجماعات الترابية وتقوية قدراتها على تمويل المشاريع المحلية، مع المطالبة بإقرار معايير أكثر عدالة في توزيع الميزانيات على الجهات والجماعات وفق خصوصياتها التنموية والاجتماعية.
من جهته، شدد الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية على أن حماية المال العام أصبحت شرطا أساسيا لاستمرار مشروع الدولة الاجتماعية، معتبرا أن أي ضعف في تدبير الموارد العمومية سينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات الاجتماعية وعلى قدرة الدولة على الحفاظ على التوازنات الاجتماعية.
وأكد الفريق أن النقاش المرتبط بتقرير المجلس الأعلى للحسابات يتجاوز مجرد عرض للأرقام والمعطيات المالية، لأنه يلامس جوهر العلاقة بين القرار العمومي والأثر الواقعي للسياسات العمومية على حياة المواطنين.
واعتبر الفريق أن التقرير السنوي للمجلس يكشف استمرار ما وصفه بأزمة التنفيذ داخل الإدارة العمومية، من خلال الفجوة القائمة بين البرامج المعلنة والنتائج المحققة على أرض الواقع، مشيرا إلى أن عددا من الاختلالات المسجلة تتكرر بشكل سنوي، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، وجود مقاومة داخل بعض دواليب الإدارة تجاه أي تغيير يمس أنماط التدبير التقليدية أو يفرض ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي.
وفي ما يتعلق بالمالية العمومية، أقر الفريق الاشتراكي بوجود مجهودات في تعبئة الموارد وتحسين بعض المؤشرات المالية، غير أنه اعتبر أن الإشكال المطروح يرتبط أساسا بضعف توجيه النفقات نحو الأثر الاجتماعي الحقيقي، متسائلا عن جدوى تحسن المؤشرات الماكرو اقتصادية في ظل استمرار هشاشة الخدمات العمومية وضعف أثرها على الفئات الاجتماعية الهشة والمتوسطة.
كما اعتبر الفريق أن ورش الحماية الاجتماعية، رغم ما حققه من تقدم على مستوى التعميم، ما يزال يواجه تحديات كبرى مرتبطة بالتمويل والحكامة وضمان جودة الخدمات واستدامة المنظومة، محذرا من أن أي اختلال في هذا التوازن قد يهدد مستقبل المشروع الاجتماعي برمته.
وأكدت المجموعة أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات يكشف استمرار أعطاب بنيوية مرتبطة بضعف التنسيق بين الفاعلين، وبطء تنفيذ التوصيات، ومحدودية آليات التقييم، واختلالات الحكامة داخل عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، فضلا عن ضعف الأثر الملموس لبعض البرامج رغم حجم الاعتمادات المرصودة لها.
وعكست المناقشات التي شهدها مجلس المستشارين اتساع الجدل السياسي والمؤسساتي حول مستقبل الدولة الاجتماعية بالمغرب، في ظل تصاعد المطالب بتقوية الحكامة وحماية المال العام وتحويل التقارير الرقابية من مجرد وثائق للتشخيص إلى أدوات عملية لإحداث التغيير داخل الإدارة والمؤسسات العمومية، بما يضمن تحسين أثر السياسات العمومية على الأوضاع المعيشية للمواطنين ويعزز الثقة في المؤسسات.