اتهامات باختلالات في الميزانية وتدبير المصاريف تهز أغنى مقاطعة بالدار البيضاء
تشهد مدينة الدار البيضاء خلال الفترة الأخيرة تصاعدا لافتا في النقاش المرتبط بتدبير الشأن المحلي داخل عدد من المقاطعات، في ظل تزايد الضغوط المالية والإدارية التي تواجه المجالس المنتخبة مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية الحالية، وهو ما دفع العديد من المقاطعات إلى البحث عن مخارج جديدة لتعزيز ميزانياتها وتوجيه اعتماداتها نحو مشاريع تنموية قادرة على امتصاص غضب الساكنة والاستجابة لمطالبها المتزايدة، وسط دعوات متكررة إلى ترشيد النفقات ومراجعة طرق صرف المال العام.
وفي هذا السياق، تعيش مقاطعة سيدي بليوط، التي تعد من بين أغنى مقاطعات العاصمة الاقتصادية، على وقع أزمة تدبيرية متفاقمة انفجرت بشكل واضح خلال أشغال دورة ماي المنعقدة اليوم الخميس، بعدما تحولت الجلسة إلى ساحة مواجهة سياسية حادة بين رئيسة المقاطعة كنزة الشرايبي وعدد من أعضاء المجلس، خاصة المنتمين إلى صفوف المعارضة، الذين وجهوا انتقادات قوية لطريقة تدبير الملفات المالية وآليات صرف الاعتمادات وتحويل الميزانيات بين عدد من القطاعات.
وخلال مداخلاتهم، عبر أعضاء المجلس عن استغرابهم من حجم المبالغ المالية المرتبطة ببعض الخدمات والمصاريف التي جرى إخضاعها للمراجعة مؤخرا، مؤكدين أن الديون المتراكمة المرتبطة بعدد من المرافق والتجهيزات العمومية تجاوزت مليارا و100 مليون سنتيم، في وقت اعتبر فيه المستشارون أن جزءاً مهماً من تلك الأعباء يرتبط بمرافق وأسواق وبنايات تابعة لمجلس المدينة، وليس من اختصاص المقاطعة وحدها تحمل تكاليفها المالية.
وأكد متدخلون خلال الدورة أن المجلس الجماعي للمدينة مطالب بتحمل مسؤوليته في هذا الملف، بحكم استفادته من مداخيل الضرائب والرسوم، معتبرين أن تحميل المقاطعات وحدها أعباء استهلاك الماء والكهرباء وصيانة بعض المرافق يشكل ضغطا إضافيا على ميزانياتها المحدودة، خاصة في ظل تزايد المصاريف المرتبطة بالمرافق العمومية والخدمات اليومية.
وأثارت المعارضة كذلك ملف استهلاك الماء والكهرباء بعدد من المرافق، من ضمنها بعض المساجد والأسواق، حيث اعتبر أعضاء بالمجلس أن هناك اختلالات مرتبطة باستمرار أداء مصاريف عدادات الاستهلاك رغم انتهاء بعض الاتفاقيات أو انتقال الاستفادة الفعلية إلى جهات أخرى، وهو ما وصفه المتدخلون بغياب تتبع دقيق للنفقات وتراكم أعباء مالية غير مبررة تثقل ميزانية المقاطعة.
وانتقد أعضاء المجلس ما وصفوه بـ"التخبط" في تدبير التحويلات المالية داخل الميزانية، معتبرين أن عدداً من الاعتمادات يتم تحويلها من قطاع إلى آخر بشكل متكرر دون تقديم تفسيرات واضحة أو وثائق دقيقة تبرر طبيعة تلك التحويلات وأهدافها، مؤكدين أن الأولويات الاجتماعية والتنموية للساكنة لا تحظى بالمكانة المطلوبة داخل البرمجة المالية الحالية.
كما عبر مستشارون عن استيائهم من استمرار تخصيص اعتمادات لبعض الأنشطة والحفلات والتظاهرات، في وقت تعاني فيه أحياء عديدة من مشاكل مرتبطة بالبنيات التحتية والخدمات الأساسية، معتبرين أن الساكنة تنتظر مشاريع ملموسة وبرامج قادرة على تحسين ظروف العيش أكثر من انتظارها لتنظيم الأنشطة المناسبة أو المناسباتية.
وفي مقابل ذلك، اعتبر بعض المتدخلين أن توسيع دائرة دعم الأنشطة الثقافية والاجتماعية على مدار السنة يمكن أن يشكل خطوة إيجابية لفائدة النسيج الجمعوي والمجتمع المدني، شريطة أن يتم الأمر وفق رؤية واضحة وبرامج مضبوطة تستجيب لحاجيات السكان وتضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الجمعيات والفاعلين المحليين.
ولم يخل النقاش من إثارة ملف حظيرة السيارات التابعة للمقاطعة ومصاريف المحروقات، حيث تساءل عدد من الأعضاء عن أسباب تزايد النفقات المرتبطة بالآليات والتنقلات، مطالبين بالكشف عن أوجه صرف الميزانية المخصصة للمحروقات والصيانة، في ظل حديث متكرر داخل المجلس عن محدودية الاعتمادات المالية المتبقية قبل نهاية السنة الجارية.
وشهدت الدورة أجواء متوترة بعدما طالبت اللجنة المالية بإرجاع بعض النقاط إلى المكتب قصد إعادة التداول بشأنها وتقديم توضيحات إضافية حول عدد من التحويلات والنفقات، غير أن الأغلبية داخل المجلس صوتت، وفق ما أكدته المعارضة، لفائدة تمديد الدورة وإعادة عرض الملفات في وقت لاحق، وهو ما اعتبره المعارضون محاولة لتمرير بعض القرارات دون تقديم المعطيات الكافية للرأي العام ولأعضاء المجلس.
كما انتقد عدد من المستشارين طريقة إعداد الوثائق المعروضة على اللجنة المالية، مؤكدين أن بعض الملفات وصلت إلى الأعضاء دون معطيات دقيقة أو مبررات مفصلة، فيما تحدث آخرون عن غياب التنظيم الإداري وضعف التواصل داخل المقاطعة، مشيرين إلى أن عدداً من الموظفين يشتغلون، بحسب تعبيرهم، في أجواء يسودها الضغط والتوتر.
وتحولت الجلسة في عدد من اللحظات إلى تبادل مباشر للاتهامات بين المعارضة ورئاسة المجلس، بعدما اتهم مستشارون الرئيسة بالاعتماد على منطق الأغلبية العددية لتمرير القرارات دون فتح نقاش موسع حول مضامين التقارير المالية والتوصيات الصادرة عن اللجان المختصة، فيما شددت الرئاسة على أن التدبير المالي يتم وفق المساطر القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.
ويأتي هذا التوتر في وقت تعيش فيه عدة مقاطعات بالعاصمة الاقتصادية تحديات متزايدة مرتبطة بتدبير الموارد المالية وتحقيق التوازن بين النفقات والإكراهات الاجتماعية والتنموية، خاصة مع ارتفاع انتظارات المواطنين بشأن تحسين الخدمات الأساسية وتطوير الفضاءات العمومية والبنيات التحتية المحلية.