هل يتجه البرلمان إلى فتح تحقيق في صفقات "الفراقشية"؟
يتواصل الجدل السياسي تحت قبة البرلمان بشأن تدبير عدد من ملفات الدعم العمومي، في ظل تصاعد المطالب بفتح تحقيقات موسعة حول الجهات المستفيدة من برامج الدعم التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة لمواجهة تداعيات الأزمات الاقتصادية وارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية.
وفي خضم هذا النقاش، عاد مصطلح "الفراقشية" بقوة إلى واجهة السجال السياسي، بعدما تحول من وصف مرتبط بقطاع الماشية إلى عنوان عريض تستحضره المعارضة في انتقادها لسياسات الدعم العمومي وآليات توزيعه.
وخلال الأشهر الماضية، توسعت دائرة الجدل لتشمل قطاعات متعددة، بعدما ربطت أحزاب وهيئات سياسية بين عدد من برامج الدعم والاستفادة المتكررة لبعض الفاعلين الاقتصاديين، معتبرة أن الأموال العمومية لم تحقق في بعض الحالات الأهداف الاجتماعية والاقتصادية المعلنة، في وقت ما تزال فيه فئات واسعة من المواطنين تواجه تداعيات الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويأتي هذا النقاش في سياق تزايد الانتقادات المرتبطة بارتفاع أسعار الأضاحي، حيث وجهت أصابع الاتهام إلى الوسطاء والمضاربين، الذين يصفهم عدد من الفاعلين السياسيين بـ"الفراقشية" و"الشناقة"، معتبرين أن تدخلاتهم في السوق ساهمت في رفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الشعبية والسياسية على حد سواء.
وفي ظل هذا المناخ، برزت خلال الأيام الأخيرة معطيات متداولة بشأن إمكانية لجوء بعض مكونات المعارضة البرلمانية إلى آلية لجنة تقصي الحقائق من أجل التحقيق في عدد من الملفات المرتبطة بالدعم العمومي والصفقات التي أثارت جدلا سياسيا وإعلاميا واسعا.
وذهبت عدد من التقارير إلى الحديث عن تحركات ترمي إلى جمع التوقيعات اللازمة لإحداث لجنة برلمانية تتمتع بصلاحيات واسعة في البحث والتدقيق والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية.
غير أن معطيات أخرى تحدثت عن صعوبات تواجه هذا المسار، خاصة في ما يتعلق بتوفير النصاب القانوني المطلوب داخل مجلس المستشارين، والذي يستوجب جمع توقيعات 40 مستشارا من أصل 120 عضوا من أجل تفعيل مسطرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وهو ما أعاد النقاش حول مدى قدرة الفرق والمجموعات البرلمانية على توحيد مواقفها بشأن هذا الملف.
وزاد من حدة الجدل الدائر ما صدر عن خالد السطي، المستشار البرلماني عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بمجلس المستشارين، الذي نفى بشكل قاطع صحة المعطيات المتداولة بشأن وجود مبادرة رسمية تم إطلاقها لجمع التوقيعات الخاصة بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق.
وأوضح السطي، عبر تدوينة نشرها على حسابه بموقع "فيسبوك"، أن أيا من الفرق أو المجموعات البرلمانية لم يتقدم، حسب المعلومات المتوفرة لديه، بطلب من هذا النوع، كما أكد أنه لم يتم التواصل مع مستشاري الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب من أجل التوقيع على أي مبادرة في هذا الاتجاه.
وفي المقابل، أشار المستشار البرلماني ذاته إلى أن أعضاء الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب سيدعمون مثل هذه الخطوة في حال طرحها بشكل رسمي، معتبرا أن فتح تحقيق برلماني يبقى من الآليات الرقابية المشروعة المتاحة للمؤسسة التشريعية، خاصة في ظل الجدل الذي رافق ملفات مرتبطة بارتفاع أسعار الأضاحي وبعض الصفقات التي أثارت نقاشا واسعا داخل الرأي العام.
ويعكس استمرار هذا السجال حجم التوتر السياسي الذي يرافق عددا من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحساسة، لاسيما تلك المرتبطة بتدبير المال العام وتوجيه الدعم العمومي.
وبين الحديث عن إمكانية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق ونفي وجود أي مبادرة رسمية في الوقت الراهن، يبقى الملف مفتوحا على جميع الاحتمالات، في انتظار ما ستسفر عنه التحركات السياسية والبرلمانية خلال المرحلة المقبلة، وسط مطالب متزايدة بتعزيز آليات الرقابة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ما يتعلق بتدبير الأموال العمومية وبرامج الدعم الموجهة لمختلف القطاعات.