لجنة "الفراقشية" تعمق الانقسام البرلماني وسط تبادل الاتهامات

الكاتب : انس شريد

15 يوليو 2026 - 06:30
الخط :

عاد ملف الدعم العمومي الموجه لاستيراد وتربية المواشي إلى صدارة النقاش السياسي والبرلماني، بعدما تجدد الخلاف بين مكونات الأغلبية والمعارضة بشأن إحداث لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول تدبير هذا الورش، المعروف إعلاميا بملف "الفراقشية".

وأعاد هذا التطور النقاش حول مدى قدرة المؤسسة التشريعية على تفعيل إحدى أهم الآليات الرقابية التي يمنحها الدستور للبرلمان، في وقت يقترب فيه العد العكسي لانتهاء الولاية الحكومية الحالية، وسط تصاعد المطالب بالكشف عن مختلف المعطيات المرتبطة بتدبير الأموال العمومية المخصصة لدعم القطاع.

ويأتي تجدد السجال في سياق استمرار الجدل الذي رافق برنامج دعم استيراد الأغنام والماشية، بعدما تحول إلى أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل البرلمان وخارجه، خاصة مع استمرار المطالب السياسية والحقوقية بتمكين الرأي العام من معطيات دقيقة حول طرق صرف الاعتمادات المالية.

وخلال اللقاء الذي نظمته مؤسسة الفقيه التطواني بمدينة سلا، يوم الثلاثاء 14 يوليوز 2026، تحت عنوان "خمس سنوات من الأغلبية والمعارضة.. ماذا ربح المغرب سياسيا ومؤسساتيا؟"، تحولت قضية لجنة تقصي الحقائق إلى محور مواجهة سياسية مباشرة بين رؤساء الفرق والمجموعة النيابية، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن تعثر المبادرة، واتهم كل طرف الآخر باستعمال الملف لأغراض انتخابية وسياسية بدل الدفع نحو تفعيل آلية رقابية من شأنها كشف مختلف الملابسات المرتبطة بملف الدعم.

وفي هذا السياق، اعتبر رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب أحمد التويزي أن المعارضة لم تنجح، في مراحل سابقة، في توحيد موقفها بشأن عدد من المبادرات الرقابية، معتبرا أن النقاش السياسي يحتاج إلى توافقات حقيقية داخل البرلمان قبل الانتقال إلى مرحلة التوقيعات والإجراءات القانونية.

وأكد أن مكونات الأغلبية عبرت عن استعدادها للانخراط في لجنة لتقصي الحقائق لا تقتصر على ملف دعم المواشي فقط، وإنما تشمل منظومة الدعم العمومي برمتها، باعتبارها من الملفات التي تستوجب توضيح مختلف المعطيات للرأي العام وترسيخ الثقة في المؤسسات.

وأعلن أحمد التويزي استعداد الأغلبية لعقد اجتماع داخل مجلس النواب من أجل التوافق حول الصيغة النهائية للمبادرة، موضحا أن الإشكال، من وجهة نظره، لا يرتبط بعدد التوقيعات المطلوبة بقدر ما يتعلق بضرورة الاتفاق المسبق على الإطار القانوني والسياسي للمبادرة حتى تمر مختلف مراحلها وفق ما تنص عليه المقتضيات التنظيمية.

من جهته، رأى رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية علال العمراوي أن النقاش الدائر حول هذا الملف اتسم بكثير من التناقضات السياسية، مشيرا إلى أن المبادرة، بحسب قراءته، تعثرت داخل صفوف المعارضة قبل أن تصل إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي.

وأضاف أن الأغلبية كانت تفضل، في مرحلة أولى، اللجوء إلى مهمة استطلاعية باعتبارها آلية يمكن أن تنجز عملها في آجال أقصر، قبل أن تؤكد لاحقا استعدادها لدراسة مختلف الخيارات الرقابية المتاحة متى توفرت أرضية توافقية بين مختلف الفرق البرلمانية.

في المقابل، شدد رئيس فريق التقدم والاشتراكية رشيد حموني على أن لجنة تقصي الحقائق ليست امتيازا لفريق دون آخر، وإنما آلية دستورية يملكها البرلمان بكل مكوناته، موضحا أن المعارضة بادرت إلى المطالبة بها بعد الإعلان عن الأرقام المتعلقة بالدعم العمومي، والتي صدرت عن مسؤول حكومي.

معتبرا أن الهدف من المبادرة لم يكن توجيه الاتهامات لأي جهة، وإنما تمكين البرلمان من ممارسة اختصاصاته الرقابية والكشف عن حقيقة تدبير هذا الملف.

وأوضح حموني أن المبادرة الأولى سنة 2025 حظيت بتوقيع مجموعة العدالة والتنمية، وفريق التقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، إضافة إلى النواب غير المنتسبين، غير أنها لم تبلغ النصاب القانوني اللازم بعد غياب توقيعات مكونات أخرى، وهو ما أدى إلى توقف المسطرة قبل انطلاقها.

وأضاف أن المعارضة كانت تعتبر أن المهمة الاستطلاعية لا توفر الصلاحيات الكافية لمعالجة الملفات المرتبطة بتدبير المال العام، بخلاف لجنة تقصي الحقائق التي يمنحها القانون اختصاصات أوسع في جمع الوثائق والاستماع إلى مختلف المسؤولين والمتدخلين.

من جانبه، جدد رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عبد الله بوانو مطالبته بإحداث اللجنة، مؤكدا أن ملف دعم اللحوم الحمراء ومنظومة الدعم يستحق فتح تحقيق برلماني شامل، خاصة في ظل المعطيات المالية المرتبطة بالبرنامج.

وأشار إلى أن ما مجموعه 74 مليار درهم صُرفت منذ سنة 2021 إلى غاية سنة 2026 في إطار برامج دعم مرتبطة بالقطاع، معتبرا أن حجم هذه الاعتمادات يفرض إعمال الرقابة البرلمانية وتمكين المواطنين من معرفة كيفية تدبيرها ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة.

وأكد بوانو أن الزمن التشريعي لا يزال يسمح بإطلاق المسطرة القانونية الخاصة بإحداث اللجنة، داعيا مختلف الفرق البرلمانية إلى تجاوز الخلافات السياسية والإسراع في استكمال الإجراءات، حتى لا يتحول الملف إلى عنوان جديد للخلافات التي تطغى على العمل البرلماني مع اقتراب نهاية الولاية.

ورغم إعلان مختلف الأطراف استعدادها المبدئي لمواصلة النقاش، فإن مستقبل المبادرة يظل رهينا بقدرة الأغلبية والمعارضة على تجاوز الخلافات السياسية والتوصل إلى توافق عملي يفضي إلى استكمال الإجراءات القانونية داخل الآجال المتبقية من الولاية التشريعية.

وبين دعوات المعارضة إلى تفعيل الرقابة البرلمانية الكاملة، وتمسك الأغلبية بضرورة التوافق قبل الانطلاق في المسطرة، يبقى ملف لجنة تقصي الحقائق بشأن دعم المواشي ومنظومة الدعم أحد أبرز الملفات السياسية المفتوحة، في انتظار ما ستسفر عنه المشاورات المقبلة داخل المؤسسة التشريعية.

آخر الأخبار