ملف استيراد مخلفات النسيج بين المغرب وإسبانيا يدخل منعطفا قضائيا حاسما
عرف ملف استيراد كميات ضخمة من مخلفات النسيج من المغرب إلى جنوب إسبانيا تطورات قضائية جديدة، بعدما قررت النيابة العامة بمنطقة الجزيرة الخضراء المضي قدماً في إجراءات المتابعة القضائية بحق شخصين وشركتين متهمتين بالتورط في إدخال ما يقارب 1800 طن من مخلفات النسيج إلى التراب الإسباني في ظروف وصفت بأنها مخالفة للقوانين البيئية والتنظيمية المعمول بها داخل الاتحاد الأوروبي.
ووفقا للتقارير الإعلامية الإسبانية، فإن القضية التي أثارت اهتماماً واسعاً داخل الأوساط البيئية والقضائية تتعلق بشبكة متخصصة في نقل وتخزين نفايات منسوجات قادمة من المغرب عبر ميناء الجزيرة الخضراء، قبل توجيهها إلى مستودعات صناعية بمنطقة كامبو دي جبل طارق دون الحصول على التراخيص البيئية والإدارية اللازمة.
وتشير المعطيات المتداولة في الملف إلى أن النيابة العامة طالبت بإحالة المتهمين على المحاكمة ومتابعتهما بتهم مرتبطة بالنقل غير القانوني للنفايات والإضرار المحتمل بالبيئة والموارد الطبيعية، مع المطالبة بإنزال عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية على الشركتين اللتين استُخدمتا في تنفيذ عمليات الاستيراد.
وأكدت المصادر ذاتها، أن التحقيقات كشفت أن المتهم الرئيسي، بصفته المسؤول الإداري الأول عن إحدى الشركتين المتورطتين، أشرف بين أواخر سنة 2022 ومنتصف سنة 2023 على تنظيم 44 شحنة من نفايات المنسوجات انطلقت من المغرب نحو إسبانيا عبر ميناء الجزيرة الخضراء، بوزن إجمالي بلغ 911.8 طناً، وذلك بمساعدة شخص ثان كان يشغل منصب نائب مدير الشركة خلال الفترة نفسها.
وتضيف المعطيات ذاتها أن المتهم الرئيسي استغل شركة ثانية كان يتولى إدارتها كذلك، حيث تم عبرها نقل 41 شحنة إضافية من نفايات المنسوجات بلغ وزنها الإجمالي 889.6 طناً. وبذلك وصل مجموع الشحنات التي تم رصدها في إطار التحقيق إلى 85 شحنة، بينما تجاوز الحجم الإجمالي للبضائع المستوردة 1801.4 طن من الملابس والخردة ومخلفات الصناعات النسيجية.
وتحولت مستودعات صناعية تقع في القطعة رقم 28 من المضلع رقم 11 بمنطقة محطة سان روكي إلى نقطة رئيسية لتخزين هذه الكميات الضخمة من النفايات، غير أن التحقيقات أظهرت أن هذه المنشآت لم تكن تتوفر على الشروط القانونية والتقنية المطلوبة لتخزين هذا النوع من المواد، كما أن الشركتين لم تكونا مسجلتين ضمن نظام معلومات النفايات الأندلسي ولم تحصلا على التراخيص المنصوص عليها في القانون الإسباني رقم 7 لسنة 2022 المتعلق بالنفايات والتربة الملوثة.
ووفقاً للتقارير الإعلامية الإسبانية، فإن أحد الجوانب الأساسية التي استندت إليها النيابة العامة في بناء ملف الاتهام يتعلق بوجود شبهات حول استعمال وثائق لا تعكس الطبيعة الحقيقية للشحنات أو الغرض الفعلي من نقلها، وهو ما اعتبرته السلطات المختصة خرقاً للمقتضيات الأوروبية المنظمة لحركة النفايات عبر الحدود.
وتبرز التحقيقات أن المخلفات المعنية بالملف تندرج ضمن الفئة B3030 المحددة في اتفاقية بازل الدولية الخاصة بمراقبة نقل النفايات والتخلص منها عبر الحدود، وهي الاتفاقية التي تعد المملكة المغربية من بين الدول الموقعة عليها.
ورغم تصنيف هذه المواد ضمن النفايات غير الخطرة، فإن نقلها بين الدول يظل خاضعاً لإجراءات قانونية دقيقة تتطلب إخطار السلطات المختصة والحصول على الموافقات اللازمة قبل الشروع في عملية النقل.
وترى النيابة العامة، حسب ما تداولته الصحافة الاسبانية أن المتهمين تجاهلا هذه الإجراءات بشكل كامل، إذ لم يتم، بحسب ما ورد في الملف، تقديم أي إشعار مسبق إلى وزارة التحول البيئي والتحدي الديموغرافي الإسبانية كما تفرضه المادة 38 من اللائحة الأوروبية رقم 1013 لسنة 2006 المتعلقة بشحن النفايات.
وفي الجانب الجنائي من القضية، صنفت النيابة العامة الأفعال المنسوبة إلى المتهمين ضمن الجرائم الماسة بالموارد الطبيعية والبيئة، مع اعتبار غياب التراخيص القانونية عاملاً مشدداً للمسؤولية الجنائية.
وطالبت بالحكم على كل واحد من المتهمين بالسجن لمدة سنة ونصف، إضافة إلى منعهما من مزاولة أي نشاط مرتبط بإدارة النفايات خلال المدة نفسها.
أما بالنسبة للشركتين المتورطتين في الملف، فقد طالبت النيابة العامة بفرض غرامات مالية تمتد على مدى سنة وأحد عشر شهراً، وفق احتساب يومي محدد في اثني عشر يورو، إلى جانب منع الشركتين لمدة سنتين من ممارسة أي نشاط مستقبلي له علاقة بقطاع إدارة النفايات.
ووفقاً للتقارير الإعلامية الإسبانية، فإن هذه القضية لا تمثل حالة معزولة، بل تندرج ضمن ظاهرة أوسع ترتبط باستغلال بعض الشبكات لميناء الجزيرة الخضراء كنقطة عبور لشحنات ضخمة من نفايات المنسوجات القادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط، قبل إعادة توجيهها نحو مستودعات ومواقع غير مرخصة داخل منطقة كامبو دي جبل طارق.