ألباريس يتهم حزب الشعب بالسعي لإحياء التوتر مع المغرب
عادت العلاقات المغربية الإسبانية إلى واجهة النقاش السياسي في إسبانيا، بعدما جدد وزير الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، انتقاداته اللاذعة لحزب الشعب، متهما إياه بتبني مواقف تعاكس التوجه الرسمي لمدريد تجاه المملكة المغربية، في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية مرحلة توصف بأنها من الأكثر استقرارا وتنسيقا خلال العقود الأخيرة، بفضل الشراكة الاستراتيجية التي أرساها البلدان في مختلف المجالات.
وتأتي هذه التصريحات في سياق استمرار الجدل السياسي الداخلي بإسبانيا حول السياسة الخارجية التي تنهجها حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، ولا سيما في ما يتعلق بالعلاقات مع المغرب، بعدما جعلت الحكومة الإسبانية من تعزيز التعاون مع الرباط أحد أبرز مرتكزات سياستها الخارجية، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو في ملفات الهجرة والتنسيق الإقليمي.
ووفقا لما نقلته الصحافة الإسبانية، فإن ألباريس رفع من شدة لهجته تجاه حزب الشعب، برئاسة ألبرتو نونييث فييخو، معتبرا أن الحزب لا يزال أسير مقاربات قديمة تجاه المغرب، وقال إن بعض مواقفه توحي بالرغبة في العودة إلى أجواء التوتر التي طبعت العلاقات الثنائية خلال أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، وهي الأزمة التي شكلت إحدى أكثر المحطات حساسية في تاريخ العلاقات بين البلدين.
ويرى وزير الخارجية الإسباني أن المرحلة الحالية تختلف جذريا عن تلك الفترة، بالنظر إلى حجم التقارب الذي تحقق بين الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة، مؤكدا أن البلدين انتقلا إلى مستوى جديد من التعاون يقوم على الحوار المباشر والثقة المتبادلة والتنسيق المستمر في الملفات ذات الاهتمام المشترك.
وأكد المسؤول الإسباني، حسب ما نقلته الصحافة الإسبانية، أن الحكومة الحالية تعتبر المغرب شريكا استراتيجيا لا غنى عنه، مشيرا إلى أن هذا التوجه ينسجم مع المصالح العليا لإسبانيا، سواء في مجال الأمن أو مكافحة الإرهاب أو مواجهة شبكات الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، فضلا عن تعزيز المبادلات الاقتصادية والاستعداد المشترك لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب البرتغال.
وفي المقابل، وجه ألباريس انتقادات مباشرة إلى حزب الشعب، معتبرا أن بعض مواقفه أصبحت تشكل، بحسب تقديره، عائقا أمام السياسة الخارجية الإسبانية، مضيفا أنه يجد نفسه مضطرا في مناسبات عديدة إلى توضيح أن التصريحات الصادرة عن قيادات المعارضة لا تعكس موقف الحكومة الإسبانية ولا توجهها الرسمي في علاقاتها مع شركائها الدوليين.
وتزامنت هذه التصريحات مع تصاعد الجدل الذي أثاره رئيس الحكومة الإسباني الأسبق ماريانو راخوي، بعدما تضمن أحد مقالاته مواقف أثارت ردود فعل واسعة، سواء فيما يتعلق بالمغرب أو بفرنسا، وهو ما دفع الحكومة الإسبانية إلى النأي بنفسها عن تلك التصريحات، معتبرة أنها لا تمثل الموقف الرسمي للدولة.
وكشف ألباريس أنه بادر إلى التواصل مع نظيره الفرنسي لتأكيد أن ما ورد في تصريحات راخوي لا يعبر عن موقف الحكومة الإسبانية ولا عن رؤية غالبية الإسبان، في خطوة تعكس حرص مدريد على احتواء أي توتر محتمل مع شركائها الأوروبيين والحفاظ على استقرار علاقاتها الخارجية.
وشدد الوزير الإسباني على أن التنوع الذي تعرفه المنتخبات الوطنية الأوروبية يمثل انعكاسا طبيعيا للمجتمعات الحديثة، معتبرا أن التشكيك في انتماء بعض اللاعبين أو إثارة أصولهم لا يخدم قيم المواطنة ولا ينسجم مع المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطيات الأوروبية.
وفي خضم هذا السجال السياسي، يواصل المغرب وإسبانيا ترسيخ شراكتهما الاستراتيجية التي شهدت تطورا متسارعا منذ اعتماد "خارطة الطريق" الجديدة بين البلدين، والتي مهدت لعقد سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى، أسفرت عن توسيع مجالات التعاون في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد والطاقة، إلى جانب التنسيق المستمر بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
كما يشكل التحضير المشترك لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030 أحد أبرز عناوين هذه المرحلة، حيث يعمل البلدان، إلى جانب البرتغال، على تنسيق الجهود لإنجاح هذا الحدث العالمي، في إطار تعاون غير مسبوق يشمل البنيات التحتية والنقل والأمن والخدمات اللوجستية، بما يعكس مستوى الثقة الذي بلغته العلاقات الثنائية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو العلاقات المغربية الإسبانية ماضية نحو مزيد من التنسيق والتعاون، مدفوعة بإرادة سياسية مشتركة لتوسيع مجالات الشراكة وتعزيز المصالح المتبادلة، في وقت يستمر فيه الجدل داخل الساحة السياسية الإسبانية حول كيفية إدارة هذه العلاقة، بين حكومة تعتبرها خيارا استراتيجيا طويل الأمد، ومعارضة لا تزال توجه انتقادات متواصلة لعدد من محطاتها.