ديون وغرامات تثقل كاهل الحرفيين ومطالب بتدخل حكومي عاجل

الكاتب : انس شريد

31 مايو 2026 - 07:30
الخط :

عاد ملف الديون والغرامات المتراكمة على الحرفيين والمهنيين العاملين في قطاع الصناعة التقليدية إلى واجهة النقاش العمومي والبرلماني، مع دخول الحكومة ولايتها الأخيرة، وسط مطالب متزايدة بإيجاد حلول عملية لهذه الفئة التي ما تزال تواجه صعوبات مرتبطة بالتغطية الصحية والالتزامات المالية تجاه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

ويأتي هذا النقاش في وقت يواصل فيه عدد كبير من الحرفيين المطالبة بتصحيح أوضاعهم القانونية والاجتماعية، معتبرين أن الإكراهات الاقتصادية التي يعيشونها حالت دون قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية والاستفادة الكاملة من الأوراش الاجتماعية التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها ورش تعميم الحماية الاجتماعية والتأمين الإجباري عن المرض.

ودخل البرلمان على خط هذا الملف من خلال أسئلة كتابية وجهها عدد من النواب البرلمانيين إلى وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، داعين إلى اتخاذ تدابير جديدة تمكن الحرفيين من تجاوز الصعوبات التي يواجهونها واستعادة حقوقهم الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، وجهت النائبة البرلمانية عن حزب التجمع الوطني للأحرار ليلى داهي سؤالا كتابيا إلى وزيرة الاقتصاد والمالية دعت من خلاله إلى دراسة إمكانية إطلاق فرصة ثانية استثنائية لتسوية ديون الضمان الاجتماعي لفائدة الحرفيين، على غرار المبادرة السابقة التي أطلقتها الوزارة والتي مكنت عددا من المهنيين من تصحيح وضعيتهم القانونية والاجتماعية والاستفادة من حقوقهم المرتبطة بالحماية الاجتماعية.

وأشارت داهي إلى أن فئة واسعة من الحرفيين لم تتمكن من الاستفادة من تلك المبادرة لأسباب مختلفة خارجة عن إرادتهم، وهو ما جعلهم يعيشون أوضاعا صعبة دفعتهم إلى المطالبة بفتح باب جديد للتسوية بشروط أكثر مرونة تراعي هشاشة أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

كما أثارت النائبة البرلمانية، إشكالية الأزواج من الصناع التقليديين الذين يزاولون أنشطتهم المهنية منذ عقود طويلة، وبعضهم تجاوز أربعين سنة من العمل، ويتوفرون على تغطية صحية نظامية، إلا أنهم يواجهون صعوبات في التسجيل بالسجل الوطني للصناعة التقليدية بسبب استفادتهم من التغطية الصحية، الأمر الذي يحرمهم من الولوج إلى عدد من برامج ومشاريع الدعم الموجهة للقطاع.

وأكدت أن هذه الفئة تشكل جزءا أساسيا من النسيج المهني للصناعة التقليدية، ما يستوجب إعادة النظر في وضعيتها وتمكينها من التسجيل في السجل الوطني للصناعة التقليدية حتى تستفيد من برامج المواكبة والتأطير والدعم التي توفرها الدولة لفائدة المهنيين والحرفيين.

من جانبها، أثارت الباتول أبلاضي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، الموضوع نفسه من زاوية أخرى مرتبطة بورش التغطية الصحية، مؤكدة أنه رغم الجهود المبذولة لتعميم التأمين الإجباري عن المرض لفائدة المواطنين الذين لا يستفيدون من أي نظام للتغطية الصحية، فإن فئات اجتماعية عديدة ما تزال خارج هذا الورش الاجتماعي.

وأوضحت أبلاضي في سؤال كتابي موجه إلى وزيرة الاقتصاد والمالية أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات أشار إلى أن نسبة هذه الفئات تصل إلى حوالي 30 في المائة من المواطنين المغاربة، وأن أغلبهم ينتمون إلى فئة المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء.

وأضافت أن الحرفيين والمهنيين العاملين في قطاع الصناعة التقليدية يوجدون ضمن أكثر الفئات التي تواجه صعوبات في الاستفادة من نظام التغطية الصحية، بسبب عدم قدرتهم على أداء الاشتراكات الخاصة بنظام التأمين الإجباري عن المرض الموجه للعمال غير الأجراء والمهنيين المستقلين، وهو ما أدى إلى تراكم الديون والغرامات عليهم مع مرور الوقت.

وأكدت في معرض سؤالها أن هذه الوضعية تسببت في تعليق استفادة عدد كبير من الحرفيين من خدمات التغطية الصحية إلى حين تسوية ديونهم ومعالجة أصل المشكل، الأمر الذي يزيد من هشاشة أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ويؤثر بشكل مباشر على أسرهم.

وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن الحكومة سبق لها خلال سنة 2024 أن أطلقت مبادرة للإعفاء المشروط من الديون المتراكمة على المهنيين غير الأجراء، وفي مقدمتهم العاملون بقطاع الصناعة التقليدية، غير أن هذه الخطوة لم تنجح في معالجة إشكالية عدم انتظام أداء الاشتراكات لدى شريحة واسعة من المهنيين والعمال المستقلين.

واستندت أبلاضي في ملاحظاتها إلى المعطيات الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2025، والذي كشف أن عدد المسجلين في نظام التأمين الإجباري عن المرض من فئة المهنيين غير الأجراء بلغ نحو 3,5 ملايين شخص فقط من أصل 11 مليون شخص مستهدفين بهذا النظام.

وترى النائبة أن حرفيي الصناعة التقليدية من أكثر الفئات تضررا من هذه الوضعية، سواء بالنسبة لمن لم يتمكنوا من التسجيل أصلا بسبب ضعف الإمكانيات المادية، أو بالنسبة للمنخرطين الذين عجزوا عن مواصلة أداء الاشتراكات بسبب تراجع قدرتهم الشرائية وارتفاع الأعباء المالية الملقاة على عاتقهم.

وأكدت أن استمرار تراكم الديون والغرامات يؤدي إلى إغلاق حقوق الاستفادة من التغطية الصحية بالنسبة للحرفيين وعائلاتهم، وهو ما يفاقم من هشاشتهم الاجتماعية ويجعلهم عرضة لمخاطر صحية متعددة.

وفي ضوء هذه المعطيات، طالبت أبلاضي بالكشف عن الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها لإعفاء الحرفيين والمهنيين غير الأجراء العاملين في قطاع الصناعة التقليدية من الديون والغرامات المتراكمة لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كما دعت إلى دراسة إمكانية مراجعة قيمة الاشتراكات الخاصة بهذه الفئة بما يضمن انتظام الأداء ويوسع قاعدة المستفيدين من ورش تعميم التغطية الصحية.

ويعيد هذا الحراك البرلماني إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات الاجتماعية ارتباطا بالمهنيين والحرفيين، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الحكومة لمعرفة مدى استعدادها لاتخاذ إجراءات جديدة تستجيب لمطالب هذه الفئة وتساهم في تعزيز اندماجها داخل منظومة الحماية الاجتماعية، بما يضمن لها الاستقرار المهني والاجتماعي ويعزز فرص استفادتها من مختلف برامج الدعم والتأطير.

آخر الأخبار