برلمانيون ينتقدون تركيز الاستثمارات بمحور طنجة-الدار البيضاء.. والحكومة تدافع بالأرقام

الكاتب : انس شريد

01 يونيو 2026 - 06:30
الخط :

مع دخول الحكومة الحالية ولايتها الأخيرة، عاد ملف العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة إلى السياسات المعتمدة في توطين المشاريع الكبرى، واستمرار الجدل حول مدى استفادة مختلف جهات المملكة من الدينامية الاستثمارية التي تراهن عليها الدولة لتعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل.

وشهدت الجلسة العمومية المخصصة للأسئلة الشفوية بمجلس النواب، المنعقدة اليوم الاثنين فاتح يونيو 2026، نقاشا واسعا حول حصيلة الحكومة في مجال جذب الاستثمارات وتوزيعها على المستوى الترابي، حيث برزت مواقف متباينة بين الأغلبية والمعارضة بشأن مدى نجاح الإجراءات المتخذة في تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة بين مختلف الأقاليم والجهات.

وفي هذا السياق، وجه النائب البرلماني عبد اللطيف الزعيم، عضو فريق الأصالة والمعاصرة، انتقادات مباشرة لما اعتبره استمرار تمركز الاستثمارات الصناعية الكبرى داخل محور اقتصادي محدد يضم طنجة والقنيطرة والدار البيضاء، مقابل بقاء العديد من الأقاليم الداخلية خارج دائرة الاستفادة الفعلية من المشاريع المهيكلة القادرة على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي ملموس.

وأكد الزعيم أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على استقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، بل أصبح مرتبطا أساسا بكيفية توزيعها بين مختلف مناطق المملكة، معتبرا أن عددا من الأقاليم ما زالت تعيش وضعية انتظار رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات بشرية وطبيعية يمكن أن تجعلها وجهات جاذبة للمستثمرين إذا ما توفرت الإرادة اللازمة لتوجيه المشاريع الكبرى نحوها.

وأوضح أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تستمر وفق منطق التمركز الجغرافي نفسه الذي طبع السنوات الماضية، مشددا على أن تحقيق العدالة المجالية يقتضي إحداث توازن حقيقي في توزيع المشاريع الاستثمارية بين المناطق الساحلية والأقاليم الداخلية، بما يضمن استفادة مختلف المواطنين من ثمار النمو الاقتصادي ويحد من الفوارق التنموية القائمة.

ودعا النائب البرلماني إلى تمكين أقاليم داخلية، من بينها إقليم الرحامنة، من احتضان مشاريع صناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة في مجالات صناعة الطيران والسيارات والقطارات والطاقات المتجددة والصناعات المرتبطة بالألواح الشمسية، معتبرا أن حصر هذه الاستثمارات في مجالات ترابية بعينها يحرم مناطق واسعة من فرص الإقلاع الاقتصادي وخلق الثروة.

وربط الزعيم بشكل مباشر بين الاستثمار وقضايا التشغيل والاستقرار الاجتماعي، مؤكدا أن توفير فرص الشغل للشباب يمثل أحد الشروط الأساسية لتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ الشعور بالانتماء الوطني.

وأشار إلى أن فئات واسعة من الشباب تواجه تحديات مرتبطة بالبطالة وغياب الآفاق الاقتصادية، الأمر الذي يجعل من الضروري توجيه السياسات العمومية نحو خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة داخل مختلف الأقاليم.

واعتبر أن التنمية المحلية أصبحت اليوم مدخلا أساسيا لمعالجة عدد من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، مؤكدا أن توفير مناصب الشغل القارة داخل الأقاليم يساهم في تثبيت الساكنة بمناطقها الأصلية ويحد من الهجرة الداخلية والخارجية، كما يعزز مشاركة الشباب في الدينامية التنموية الوطنية.

من جانبه، أعاد الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية طرح الإشكال نفسه من زاوية تقييم الأثر الفعلي للاستثمارات المصادق عليها خلال السنوات الأخيرة، وذلك من خلال سؤال شفهي وجهه إلى الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية بشأن حصيلة إنجازات الوزارة على المستوى الجهوي.

وخلال المناقشة، أكد النائب البرلماني عمر أعنان أن المؤشرات الرقمية المتعلقة بحجم الاستثمارات والمشاريع المصادق عليها تظل معطيات مهمة، غير أن التقييم الحقيقي ينبغي أن ينصب على مدى انعكاس هذه المشاريع على التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل مختلف الجهات، وعلى قدرتها الفعلية على خلق فرص الشغل وتحسين ظروف عيش المواطنين.

وأشار إلى أن النقاش حول الاستثمار لا يجب أن يقتصر على حجم الأموال المرصودة أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل ينبغي أن يشمل أيضا توزيع المشاريع بين الجهات ومدى استفادة المناطق الأكثر هشاشة منها، مبرزا أن التحدي المطروح يتمثل في تحقيق تنمية متوازنة تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف المجالات الترابية.

وسجل أعنان أن المقاولات الصغرى والمتوسطة تظل الفاعل الأساسي في مجال التشغيل والتنمية الجهوية، غير أنها تواجه، بحسب تقديره، صعوبات متعددة تحد من قدرتها على الاستثمار والتوسع وخلق فرص العمل، داعيا إلى تعزيز برامج الدعم والمواكبة الموجهة لهذه الفئة من المقاولات باعتبارها رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية المحلية.

كما أثار النائب البرلماني وضعية جهة الشرق، معتبرا أنها من بين الجهات التي تتوفر على مؤهلات اقتصادية مهمة لكنها ما تزال بحاجة إلى دفعة استثمارية إضافية تمكنها من مواجهة التحديات المرتبطة بالبطالة والهجرة.

ودعا في هذا الإطار إلى إطلاق برنامج استثماري خاص بالجهة يرتكز على مشاريع مهيكلة قادرة على تحريك الاقتصاد المحلي وخلق فرص شغل جديدة لفائدة الشباب.

في المقابل، دافع الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، كريم زيدان، عن حصيلة الحكومة في هذا المجال، مؤكدا أن المعطيات المسجلة خلال الفترة الماضية تعكس توجها متزايدا نحو تعزيز العدالة المجالية وتوسيع دائرة الاستفادة من المشاريع الاستثمارية خارج المحاور الاقتصادية التقليدية.

وأوضح الوزير أن اللجنة الوطنية للاستثمار صادقت خلال دوراتها العشر على مشاريع استفادت منها خمسون عمالة وإقليما عبر مختلف جهات المملكة، مشيرا إلى أن أكثر من ثلث هذه المشاريع استفاد من المنحة الترابية المنصوص عليها ضمن الميثاق الجديد للاستثمار، والتي تستهدف تشجيع المستثمرين على التوجه نحو المناطق التي تحتاج إلى تحفيز إضافي لاستقطاب المشاريع الاقتصادية.

وأضاف أن المشاريع المصادق عليها شملت عددا من العمالات والأقاليم من بينها بوجدور والدريوش وفاس وجرادة والعرائش والناظور ووادي الذهب والرحامنة وآسفي وسيدي إفني وتارودانت وتطوان ووزان والحوز، إلى جانب مناطق أخرى استفادت من برامج الدعم والتحفيز المعتمدة في إطار السياسة الاستثمارية الجديدة.

وأكد أن المنحة الترابية التي يمكن أن تصل إلى 15 في المائة من قيمة الاستثمار تشكل إحدى الآليات الرئيسية المعتمدة لتشجيع توطين المشاريع بالمناطق الأقل جاذبية، وذلك بهدف تقليص الفوارق المجالية وتحقيق توزيع أكثر توازنا للاستثمارات بين مختلف الأقاليم والجهات.

كما أبرز أن الحكومة عملت خلال السنوات الأخيرة على تعزيز جاذبية المجالات الترابية من خلال رفع حجم الاستثمار العمومي الموجه للبنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، بما يشمل الطرق والمناطق الصناعية والمرافق الاقتصادية والخدماتية الضرورية لتحسين مناخ الأعمال واستقطاب المستثمرين.

وكشف الوزير أن الفترة الممتدة ما بين شهري نونبر وماي الماضيين شهدت تسجيل 275 طلبا لتوقيع اتفاقيات استثمار في إطار نظام الدعم الموجه للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، مشيرا إلى أن هذه المشاريع يرتقب أن تساهم في إحداث نحو 13 ألفا و700 منصب شغل موزعة على 56 عمالة وإقليما عبر المملكة.

وبينما تؤكد الحكومة أن الأرقام المسجلة تعكس تقدما ملموسا في توسيع الاستفادة من الاستثمار خارج المراكز الاقتصادية التقليدية، ترى أصوات برلمانية من الأغلبية والمعارضة على حد سواء أن الاختبار الحقيقي يبقى مرتبطا بمدى انعكاس هذه المشاريع على حياة المواطنين وقدرتها على توفير فرص الشغل وتحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف الجهات والأقاليم.

آخر الأخبار