انسحابات واتهامات بتبديد المال العام تهز مقاطعات الدار البيضاء
تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة حدة الجدل السياسي داخل عدد من مقاطعات مدينة الدار البيضاء، على خلفية الانتقادات المتزايدة المرتبطة بتدبير المال العام ومآل الاعتمادات المالية التي جرى صرفها خلال الولاية الانتدابية الحالية، وسط اتهامات من منتخبين في المعارضة بإنفاق مبالغ مالية ضخمة دون أن يواكبها أثر تنموي ملموس على مستوى عدد من الأحياء والمناطق التابعة للعاصمة الاقتصادية.
ووفق معطيات حصلت عليها "الجريدة 24" من مصادرها، فإن دورات المجالس المنعقدة خلال شهري ماي ويونيو الجاري تحولت في أكثر من مقاطعة إلى منصة لطرح تساؤلات حادة بشأن حصيلة التدبير المحلي، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية الحالية.
واعتبر عدد من المستشارين أن المرحلة الراهنة تفرض إجراء تقييم شامل للبرامج والمشاريع التي تم تمويلها خلال السنوات الماضية، في ظل استمرار شكاوى الساكنة من ضعف البنيات التحتية وتفاوت الاستفادة من المشاريع التنموية بين الأحياء.
وشهدت مقاطعات الحي المحمدي وسيدي عثمان وعين السبع، خلال دورة يونيو الجاري، نقاشات ساخنة حول حصيلة الإنفاق العمومي، حيث عبر منتخبون عن استغرابهم من استمرار تسجيل خصاص في عدد من المرافق الأساسية رغم الاعتمادات المالية التي تمت تعبئتها طيلة السنوات الأخيرة.
ويرى هؤلاء أن المواطنين ما زالوا ينتظرون تحسينات ملموسة في مجالات الطرق والإنارة والفضاءات العمومية والخدمات الاجتماعية، وهو ما يجعل مسألة تقييم أثر النفقات العمومية مطروحة بإلحاح داخل المجالس المنتخبة.
وفي مقاطعة عين السبع، بلغت حدة التوتر السياسي مستوى غير مسبوق بعد انسحاب فريق حزب التجمع الوطني للأحرار من أشغال الدورة الأخيرة للمجلس، التي انعقدت يوم أمس الجمعة، في خطوة احتجاجية أثارت الكثير من النقاش داخل الأوساط المحلية.
وحسب مصادر الجريدة 24، فقد جاء هذا الموقف عقب اقتصار جدول الأعمال على نقطة وحيدة مرتبطة بعرض حول الأنشطة الصيفية المبرمجة بشاطئ عين السبع، وهو ما اعتبره أعضاء المعارضة ابتعاداً عن القضايا الأساسية التي تشغل الساكنة وتتعلق بواقع التنمية المحلية وتدبير الموارد المالية.
وخلال المناقشات التي سبقت الانسحاب، أثار منتخبون مجموعة من المعطيات المرتبطة بالنفقات العمومية، من بينها برمجة سند طلب تتجاوز قيمته 40 مليون سنتيم مخصصاً لاقتناء تجهيزات خاصة بتقوية العضلات، في وقت تساءل فيه مستشارون عن الجهة التي ستستفيد من هذه المعدات في ظل غياب فضاء بلدي مخصص لممارسة رياضة كمال الأجسام داخل المقاطعة.
كما طرح أعضاء المعارضة، حسب مصادر الجريدة 24، تساؤلات بشأن مآل 400 قفة غذائية تم اقتناؤها خلال شهر مارس من سنة 2026، مطالبين بالكشف عن كيفية توزيعها والمعايير المعتمدة لتحديد المستفيدين منها، مؤكدين أن مثل هذه العمليات الاجتماعية تستوجب توفير معطيات دقيقة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين المواطنين.
واعتبر منتخبون أن عددا من الملفات المرتبطة بالنفقات والصفقات العمومية لم تحظ بالنقاش الكافي داخل المؤسسات المنتخبة، وهو ما دفعهم إلى المطالبة بإعطاء دور أكبر للجان الدائمة وتمكين المستشارين من تتبع مختلف البرامج والمشاريع الممولة من المال العام، خاصة في ظل تنامي المطالب الشعبية بربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي سياق متصل، شهدت مقاطعة سيدي بليوط بدورها نقاشات حادة بشأن الوضعية المالية للمقاطعة، بعدما تم التداول خلال دورة ماي الماضي التي انعقدت جلستها متأخرة، معطيات تتعلق بحجم الالتزامات المالية المرتبطة بعدد من المرافق والتجهيزات العمومية.
ووفق المعلومات التي جرى تداولها خلال أشغال المجلس، فإن حجم الديون المرتبطة ببعض المرافق تجاوز ملياراً و100 مليون سنتيم، وهو ما أثار مخاوف عدد من المستشارين بشأن تأثير هذه الأعباء على قدرة المقاطعة في تمويل مشاريع جديدة لفائدة الساكنة.
وأكد متدخلون خلال الدورة أن جزءاً من هذه المصاريف يرتبط بمرافق وأسواق وتجهيزات تتبع لمجلس جماعة الدار البيضاء، معتبرين أن استمرار تحميل المقاطعات نفقات الماء والكهرباء والصيانة الخاصة بهذه المنشآت يشكل عبئاً إضافياً على ميزانياتها المحدودة.
كما طالبوا المجلس الجماعي بتحمل مسؤولياته المالية بالنظر إلى استفادته من عائدات الضرائب والرسوم المحلية.
وامتد الجدل إلى ملف استهلاك الماء والكهرباء داخل عدد من المرافق العمومية، حيث أثار منتخبون تساؤلات بشأن استمرار أداء فواتير بعض العدادات رغم انتهاء اتفاقيات الاستغلال الخاصة بها أو انتقال الاستفادة الفعلية منها إلى جهات أخرى، وهو ما اعتبروه مؤشراً على وجود اختلالات في التتبع الإداري ومراقبة النفقات العمومية.
ويأتي هذا الجدل المتصاعد داخل مقاطعات الدار البيضاء في سياق سياسي يتسم بارتفاع المطالب المتعلقة بالحكامة الجيدة وترشيد الإنفاق العمومي، بالتزامن مع العد العكسي لنهاية الولاية الانتخابية الحالية.