رؤساء الجماعات في قلب الجدل.. تحذيرات من توظيف دعم الجمعيات كورقة انتخابية

الكاتب : انس شريد

19 يونيو 2026 - 08:30
الخط :

يدخل المغرب مرحلة سياسية بالغة الأهمية مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة خلال شهر شتنبر المقبل، في ظل سياق وطني يتسم بتزايد النقاش العمومي حول مستقبل الممارسة السياسية وآفاق تجديد النخب المنتخبة، إلى جانب تصاعد المطالب الرامية إلى تعزيز حضور الشباب والنساء داخل المؤسسات التمثيلية، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة.

وتأتي هذه الاستحقاقات في مرحلة يعتبرها العديد من المتتبعين مفصلية، بالنظر إلى الرهانات المرتبطة بتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وتطوير آليات الديمقراطية التشاركية التي كرسها دستور سنة 2011.

ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، برزت إلى الواجهة مجموعة من الملفات ذات الصلة بتدبير الشأن العام المحلي، من بينها قضية الدعم العمومي الذي تخصصه الجماعات الترابية لفائدة جمعيات المجتمع المدني، وما يرافقها من تساؤلات حول مدى احترام معايير الشفافية والحياد في تدبير هذه الاعتمادات المالية، خصوصاً خلال الفترات التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية، حيث يزداد الجدل بشأن احتمال توظيف بعض أوجه التدبير المحلي لتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية، بما قد يؤثر على مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين.

ورغم أن الجماعات الترابية تضطلع، بموجب الفصل 136 من دستور المملكة، بأدوار محورية في تحقيق التنمية المحلية وترسيخ الديمقراطية التشاركية، كما يمنحها القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات صلاحية إبرام اتفاقيات الشراكة وتقديم الدعم المالي للجمعيات وهيئات المجتمع المدني، فإن هذه الصلاحيات تبقى مقيدة بجملة من المبادئ الدستورية والقانونية، وفي مقدمتها الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن توجيه المال العام لخدمة الصالح العام بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو انتخابية.

وفي هذا الإطار، أعاد النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، مصطفى إبراهيمي، فتح النقاش حول هذا الملف بعدما وجه سؤالاً كتابياً إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، دعا فيه إلى اتخاذ تدابير احترازية تحول دون استغلال الدعم العمومي الموجه لجمعيات المجتمع المدني خلال الفترة التي تسبق الانتخابات التشريعية المقبلة.

واستند النائب البرلماني في سؤاله إلى كون الممارسة العملية خلال بعض المحطات الانتخابية السابقة أفرزت نقاشاً متكرراً بشأن توقيت صرف المنح وطريقة توزيعها، وهو ما يستدعي، بحسب تصوره، توفير ضمانات إضافية تكفل تحصين المال العمومي المحلي من أي توظيف قد يثير شبهة التأثير في المنافسة الانتخابية.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المجتمع المدني داخل النموذج التنموي المغربي، باعتباره شريكاً أساسياً في تنزيل العديد من البرامج الاجتماعية والثقافية والرياضية والتنموية، وهو ما يجعل من آليات تمويل الجمعيات قضية تتجاوز الجانب المالي لتلامس مبادئ النزاهة والإنصاف والشفافية.

وأشار مصطفى إبراهيمي، في سؤاله الموجه إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، إلى أن الوزارة سبق أن اعتمدت خلال فترات انتخابية سابقة إجراءات احترازية همت تأجيل أو توقيف إطلاق بعض المشاريع والتدشينات التي يمكن أن تستغل في الدعاية الانتخابية، معتبراً أن المنطق نفسه يمكن أن يمتد إلى الدعم العمومي الموجه للجمعيات إذا تبين أن توقيت صرفه قد يفتح الباب أمام أي استغلال سياسي أو انتخابي، أو قد يؤثر في مبدأ الحياد الذي ينبغي أن يسود خلال التحضير للاستحقاقات التشريعية.

وطالب النائب البرلماني بالكشف عن الإجراءات الرقابية والتنظيمية التي تعتزم وزارة الداخلية اتخاذها لمنع أي استغلال سياسي أو انتخابي لعملية توزيع الدعم والمنح المخصصة لجمعيات المجتمع المدني من طرف الجماعات الترابية قبيل الانتخابات التشريعية المقبلة.

كما دعا إلى دراسة إمكانية إصدار دورية أو تعليمات تقضي بتأجيل صرف أو برمجة هذه المنح إلى ما بعد إجراء الانتخابات، على غرار التدابير الاحترازية التي يتم اعتمادها بشأن بعض المشاريع والأنشطة التي قد تكون قابلة للاستغلال الانتخابي. كما تساءل عن التدابير التي ستعتمدها الوزارة لضمان احترام مبادئ الشفافية والحياد وتكافؤ الفرص في تدبير الدعم العمومي المحلي، انسجاماً مع مقتضيات الدستور والقوانين التنظيمية المؤطرة لعمل الجماعات الترابية.

ويأتي إثارة هذا الملف في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مختلف الإجراءات الكفيلة بضمان إجراء الانتخابات المقبلة في مناخ يتسم بالنزاهة والشفافية، خاصة أن الثقة في المؤسسات المنتخبة أصبحت ترتبط، في نظر فئات واسعة من الرأي العام، بمدى قدرة الدولة والمؤسسات الرقابية على تحصين المال العام من أي توظيف انتخابي، وترسيخ قواعد المنافسة السياسية المتكافئة بين جميع الفاعلين، بما يعزز مصداقية العملية الديمقراطية ويكرس مبدأ المساواة أمام القانون.

ومع استمرار النقاش حول سبل تطوير منظومة الحكامة المحلية، يظل ملف الدعم العمومي الموجه لجمعيات المجتمع المدني واحداً من القضايا المطروحة خلال المرحلة الحالية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحسن تدبير المال العام، وتعزيز استقلالية العمل الجمعوي، وصيانة حياد الإدارة الترابية، وهي عناصر تشكل مجتمعة ركائز أساسية لضمان انتخابات تحظى بثقة المواطنين، وتؤكد التزام المؤسسات باحترام قواعد الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص، بما ينسجم مع المسار الديمقراطي الذي اختاره المغرب خلال السنوات الأخيرة.

آخر الأخبار