بين تعثر "مدخول الكرامة" وهزالة المعاشات.. الحكومة أمام مأزق اجتماعي قبل نهاية الولاية
عاد ملف حماية أوضاع المسنين إلى واجهة النقاش السياسي مع اقتراب انتهاء الولاية الحكومية الحالية، في ظل استمرار المطالب بالإسراع في تنفيذ الالتزامات الاجتماعية الموجهة لهذه الفئة، وعلى رأسها مشروع "مدخول الكرامة"، إلى جانب مراجعة قيمة المعاشات وتسريع إصلاح منظومة التقاعد.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما جعل هذا الورش من أبرز الملفات التي تتابعها الأوساط السياسية والبرلمانية والحقوقية.
وكان البرنامج الحكومي قد نص على إحداث "مدخول الكرامة" لفائدة الأشخاص البالغين 65 سنة فما فوق الذين لا يستفيدون من معاش أو دخل قار، باعتباره آلية اجتماعية تروم توفير حد أدنى من الدخل يضمن العيش الكريم لهذه الفئة.
كما تعهدت الحكومة منذ بداية ولايتها بأن يصل هذا الدعم إلى ما لا يقل عن 1000 درهم شهريًا بحلول سنة 2026، على أن يتم تمويله عبر صندوق التماسك الاجتماعي في إطار ورش تعميم الحماية الاجتماعية وتعزيز آليات الدعم الموجهة للفئات الهشة.
ورغم مرور سنوات على الإعلان عن هذا الالتزام، فإن المشروع لم ير النور بعد وفق الصيغة التي ورد بها في البرنامج الحكومي، الأمر الذي أعاد النقاش حول مدى تقدم الحكومة في تنفيذ تعهداتها الاجتماعية، خاصة مع اقتراب نهاية ولايتها.
وفي هذا السياق، وجّهت النائبة البرلمانية عن فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، سلوى البردعي، سؤالا كتابيا إلى رئيس الحكومة، طالبت فيه بتوضيح أسباب عدم تفعيل "مدخول الكرامة" رغم التنصيص عليه بشكل صريح ضمن البرنامج الحكومي الذي حاز ثقة البرلمان.
كما استفسرت عن مدى التزام الحكومة بتنفيذ هذا التعهد قبل انتهاء ولايتها، وحجم الاعتمادات المالية التي رُصدت أو كان يفترض تخصيصها لإنجازه.
وأبرزت النائبة البرلمانية أن آلاف المسنين يعيشون أوضاعًا اجتماعية صعبة في ظل غياب دخل قار، معتبرة أن استمرار تأجيل هذا المشروع يتزامن مع ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما يزيد من هشاشة هذه الفئة التي تحتاج إلى حماية اجتماعية أكثر فعالية، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين لا يتوفرون على أي معاش أو مورد ثابت.
ويتزامن هذا الجدل مع استمرار المطالب الداعية إلى تحسين أوضاع المتقاعدين، حيث تؤكد الهيئات الممثلة لهم أن قيمة عدد كبير من المعاشات لم تعد تواكب التحولات الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الأساسية والخدمات الصحية والأدوية، مطالبة بمراجعة الحد الأدنى للمعاشات واعتماد إجراءات اجتماعية إضافية تخفف من الأعباء المعيشية التي تواجهها هذه الفئة.
وتشير معطيات متداولة في هذا الملف إلى أن شريحة واسعة من المتقاعدين المدنيين والعسكريين تتقاضى معاشات تتراوح قيمتها بين 1000 و2000 درهم شهريًا، وهو ما يعتبره المهتمون مستوى غير كافٍ لتغطية متطلبات العيش في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، خصوصًا بالنسبة للأسر التي تعتمد بشكل رئيسي على هذه المعاشات لتأمين احتياجاتها اليومية.
وفي المقابل، تبرز تحديات أخرى مرتبطة بالحماية الاجتماعية لكبار السن، إذ يُقدّر عدد الأشخاص المسنين غير المستفيدين من أي نظام للتقاعد بنحو 2.5 مليون شخص، بينما يعتمد حوالي 70 في المائة منهم على التضامن العائلي كمصدر رئيسي للعيش، وهو ما يعكس حجم التحديات المطروحة أمام السياسات الاجتماعية المرتبطة بالشيخوخة وضمان الدخل.
ولا يقتصر النقاش على تحسين أوضاع المتقاعدين فقط، بل يمتد أيضًا إلى مستقبل صناديق التقاعد، في ظل التحذيرات المتواصلة من استمرار الاختلالات المالية التي قد تؤثر على استدامة هذه الأنظمة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجعل ملف إصلاح التقاعد من أكثر الأوراش الاجتماعية تعقيدًا بالنظر إلى ارتباطه بالتوازنات المالية للدولة وبحقوق ملايين المواطنين.
وتتجه الأنظار إلى جولات الحوار الاجتماعي المرتقب استئنافها خلال شهر يوليوز المقبل، وسط ترقب واسع لما ستسفر عنه المشاورات بين الحكومة والمركزيات النقابية وباقي الفاعلين الاجتماعيين، خاصة في ما يتعلق بمستقبل "مدخول الكرامة"، وإصلاح أنظمة التقاعد، وتحسين أوضاع المتقاعدين، وهي ملفات تظل في صدارة الأولويات الاجتماعية مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية.