انتقادات برلمانية لتدبير ملف الأمن الغذائي.. وأخنوش يرد: لم نمنح 16 مليار للمستوردين
يتواصل الجدل السياسي حول تدبير الحكومة لملف الأمن الغذائي مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية، في وقت تحولت فيه جلسة الأسئلة الشهرية الموجهة إلى رئيس الحكومة بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، إلى ساحة لتبادل الانتقادات بشأن حصيلة السياسات الفلاحية، وسط تشكيك برلماني في قدرة الإجراءات الحكومية على ضمان استقرار التموين وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، مقابل دفاع الحكومة عن اختياراتها في مواجهة سنوات الجفاف والتقلبات الاقتصادية العالمية.
وشهدت الجلسة، المخصصة لموضوع "المقاربة الحكومية المندمجة لتحقيق السيادة الغذائية"، انتقادات لاذعة من عدد من المستشارين البرلمانيين المنتمين إلى المعارضة والأغلبية، الذين اعتبروا أن ملف الأمن الغذائي لم يعد يحتمل المعالجات القطاعية أو التدخلات الظرفية، بل يستدعي مراجعة شاملة للسياسات العمومية المرتبطة بالإنتاج والتوزيع والتسويق وحماية المستهلك.
وفي هذا السياق، وجه المستشار البرلماني لحسن الحسناوي، عن فريق الأصالة والمعاصرة، انتقادات مباشرة لسياسة الحكومة في تدبير هذا الورش، معتبرا أن الأمن الغذائي لا يمكن اختزاله في توفير بعض المنتجات أو تحقيق نسب معينة من الإنتاج، بل يرتبط بضمان استقرار الأسواق، وضبط الأسعار، وتأمين ولوج المواطنين إلى المواد الأساسية في مختلف الظروف.
داعيا إلى اعتماد رؤية مندمجة تتجاوز المقاربة القطاعية التقليدية.
وأكد الحسناوي أن التطورات التي شهدها السوق الوطني خلال الفترة الأخيرة، خاصة خلال عيد الأضحى، كشفت عن استمرار اختلالات هيكلية مرتبطة بارتفاع الأسعار، وضعف آليات المراقبة، وتنامي دور الوسطاء، وهو ما انعكس، بحسب تعبيره، على القدرة الشرائية للأسر المغربية، وأثار تساؤلات حول نجاعة التدابير الحكومية في حماية المستهلك وضبط الأسواق.
كما انتقد المستشار البرلماني ما اعتبره غياب معالجة حقيقية لوضعية الفلاحين الصغار والمتوسطين، مشيرا إلى أن هذه الفئة تتحمل أعباء الإنتاج ومخاطر التغيرات المناخية، قبل أن تواجه صعوبات التسويق وتقلبات الأسعار، الأمر الذي يحد من قدرتها على الاستمرار والإنتاج، ويؤثر بشكل مباشر على تحقيق السيادة الغذائية.
ولم تقتصر الملاحظات على مكونات المعارضة، إذ حملت مداخلات عدد من المستشارين مواقف متقاربة بشأن الحاجة إلى مراجعة أساليب تدبير القطاع، معتبرين أن الرهانات الحالية تفرض تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية، وإرساء آليات أكثر فعالية لمحاربة المضاربة، وتقوية شبكات المراقبة، ودعم الفلاحين المنتجين، بما ينعكس على استقرار الأسعار وتوفير المنتجات الأساسية للمواطنين.
في المقابل، دافع رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، عن حصيلة السلطة التنفيذية في هذا المجال، رافضا تحميل الحكومة مسؤولية جميع الإكراهات التي يعرفها القطاع، ومعتبرا أن المغرب واجه ظرفية استثنائية اتسمت بسبع سنوات متتالية من الجفاف، إلى جانب تداعيات الأزمات الدولية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، وهي عوامل أثرت على مختلف اقتصادات العالم.
وأكد أخنوش أن المملكة تمكنت، بفضل صمود القطاع الفلاحي ومرونة المؤسسات، من الحفاظ على تزويد الأسواق الوطنية بالمواد الأساسية، معتبرا أن الأمن الغذائي تحول إلى خيار سيادي يحظى بأولوية خاصة، وأن الحكومة تواصل تنفيذ برامجها الرامية إلى تعزيز الإنتاج الوطني وتقوية قدرة المنظومة الفلاحية على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية، لذا لا يجوز تبخيس عمل المؤسسات.
كما نفى أخنوش بشكل قاطع أن تكون الدولة قد قدمت دعما ماليا للمستوردين فيما يتعلق باستيراد اللحوم الحمراء، معتبرا أن الحديث عن “16 مليار درهم من الدعم” مجرد مغالطة للرأي العام و”كذب على المغاربة”.
وأوضح أن ما قامت به الحكومة اقتصر على تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة على واردات اللحوم، ولا يشكل الأمر دعما مباشرا للمستوردين،
واستعرض رئيس الحكومة عددا من المؤشرات المرتبطة بحصيلة مخطط "المغرب الأخضر"، مشيرا إلى أن الناتج الداخلي الفلاحي سجل متوسط نمو سنوي بلغ 4.7 في المائة بين سنتي 2008 و2020، بفضل استثمارات قاربت 132 مليار درهم، كما ساهم البرنامج في إطلاق 989 مشروعا للفلاحة التضامنية استفاد منها نحو 730 ألف شخص، إلى جانب إحداث أكثر من 50 مليون يوم عمل إضافي في الوسط القروي.
ورغم دفاع رئيس الحكومة عن هذه المؤشرات، فإن مداخلات المستشارين عكست استمرار التشكيك في مدى انعكاسها على الواقع اليومي للمواطنين، معتبرين أن ارتفاع الأسعار واستمرار معاناة الفلاحين الصغار يكشفان الحاجة إلى تقييم أكثر عمقا للسياسات المتبعة، وربط الأرقام المعلنة بنتائج ملموسة على مستوى استقرار الأسواق وتحسين القدرة الشرائية.
ويؤشر النقاش الذي احتضنه مجلس المستشارين إلى اتساع دائرة الجدل السياسي حول ملف الأمن الغذائي مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، في ظل استمرار المطالب البرلمانية بإعادة توجيه السياسات الفلاحية نحو معالجة الاختلالات البنيوية، وتعزيز حماية الفلاحين والمستهلكين، وضمان توازن أكبر بين أهداف الإنتاج ومتطلبات العدالة الاجتماعية واستقرار الأسواق.