لجنة تقصي الحقائق في مهب الخلافات.. واتهامات بإجهاضها قبل نهاية الولاية
عاد ملف الدعم العمومي المخصص لاستيراد وتربية المواشي إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني، بعد تعثر المساعي الرامية إلى إحداث لجنة نيابية لتقصي الحقائق، في ظل استمرار الخلاف بين مكونات الأغلبية والمعارضة حول استكمال الإجراءات المرتبطة بإطلاق هذه الآلية الرقابية، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مصير المبادرة مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.
وأعاد تعثر تشكيل اللجنة الجدل حول مدى توفر الإرادة السياسية لتفعيل واحدة من أبرز الآليات الرقابية التي يتيحها الدستور للبرلمان، خاصة أن ملف دعم استيراد الأغنام ظل خلال الأشهر الماضية من أكثر الملفات إثارة للنقاش، في ظل المطالب المتواصلة بالكشف عن كيفية تدبير الأموال العمومية المخصصة لهذا البرنامج، ومدى انعكاسه على أسعار اللحوم الحمراء وتموين الأسواق الوطنية.
وفي هذا السياق، اتهم حزب العدالة والتنمية فرق الأغلبية بمجلس النواب بالتراجع عن التزاماتها السابقة بشأن الانخراط في لجنة تقصي الحقائق، معتبرا أن عدم استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإحداثها يعكس غياب إرادة حقيقية للمضي في مباشرة هذا الورش الرقابي.
وأوضح الحزب، في بلاغ صادر عن أمانته العامة، أن فرق الأغلبية كانت قد أعلنت موافقتها على الانضمام إلى المبادرة، غير أنها لم تبادر إلى استكمال مسطرة التوقيع على طلب إحداث اللجنة، معتبرا أن هذا التأخر أفرغ المبادرة من مضمونها، وأثار شكوكا حول جدية الالتزام بتفعيلها.
واعتبر الحزب أن استمرار هذا الوضع يكرس، بحسب تعبيره، تعثراً في ممارسة الأدوار الرقابية للمؤسسة التشريعية، منتقدا ما وصفه بتغليب الحسابات السياسية على متطلبات الرقابة البرلمانية، خاصة في الملفات التي تثير اهتمام الرأي العام.
وفي موازاة ذلك، اتسعت دائرة النقاش داخل مجلس النواب بشأن مدى إمكانية إخراج لجنة تقصي الحقائق إلى حيز الوجود قبل انتهاء الولاية التشريعية الحالية، بالنظر إلى المساطر الدستورية والتنظيمية التي تؤطر عمل هذا النوع من اللجان، والتي تستوجب استكمال مراحل متعددة، تشمل جمع المعطيات والاستماع إلى مختلف الأطراف وإعداد تقرير نهائي يتضمن الخلاصات والتوصيات.
كما أثار الملف تباينا في مواقف مكونات الأغلبية، إذ عبرت أصوات من حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال عن استعدادها للتفاعل مع أي مبادرة تروم كشف مختلف المعطيات المرتبطة بالدعم العمومي الموجه لقطاع المواشي، في حين تمسك الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار باللجوء إلى آليات رقابية برلمانية أخرى، معتبراً أن عامل الزمن قد يشكل عائقاً أمام استكمال مهام لجنة تقصي الحقائق قبل نهاية الولاية.
ويأتي هذا الجدل في وقت لا يزال فيه برنامج دعم استيراد الأغنام يثير نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية، في ظل استمرار التساؤلات بشأن مدى تحقيقه للأهداف التي أُعلن عنها، خصوصاً ما يتعلق بالمساهمة في خفض أسعار اللحوم الحمراء وضمان تموين الأسواق الوطنية، مقابل مطالب متزايدة بتقديم معطيات دقيقة حول حصيلة البرنامج ونتائجه.
ويعد إحداث لجنة لتقصي الحقائق من بين أبرز الآليات الرقابية التي يخولها الدستور للبرلمان، إذ تتيح للنواب الاطلاع على الوثائق والمعطيات ذات الصلة بالملفات موضوع التحقيق، والاستماع إلى مختلف المسؤولين والمتدخلين، قبل إعداد تقرير نهائي يتضمن الاستنتاجات والتوصيات، غير أن تفعيل هذه الآلية يظل رهيناً باستكمال الشروط القانونية والتنظيمية المنصوص عليها.
ومع استمرار الخلافات بين الفرق البرلمانية، تتزايد التساؤلات حول مستقبل المبادرة، وما إذا كانت ستنجح في تجاوز العقبات الإجرائية والسياسية خلال ما تبقى من عمر الولاية التشريعية، أم أن ملف لجنة تقصي الحقائق سينضم إلى المبادرات التي لم تر النور، رغم الجدل الواسع الذي رافقها داخل المؤسسة التشريعية وخارجها.