بين العزل والاستقالة.. زلزال سياسي يضرب المنتخبين والأحزاب قبل انتخابات 2026
دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة جديدة تتسم بتسارع غير مسبوق في وتيرة التحولات داخل المؤسسات المنتخبة والتنظيمات الحزبية، مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية والجماعية لسنة 2026، حيث تزايدت حالات العزل والاستقالة وتغيير الانتماءات السياسية، في تطورات أعادت رسم ملامح الخريطة الحزبية ورفعت منسوب الترقب بشأن موازين القوى التي ستفرزها الانتخابات المقبلة.
ووفق معطيات حصلت عليها الجريدة 24 من مصادرها، فإن الفترة الأخيرة شهدت تفعيلا ملحوظا لآليات العزل والتجريد من العضوية داخل عدد من الجماعات الترابية، بالتوازي مع موجة استقالات مست مؤسسات تمثيلية وهيئات حزبية، في سياق يطغى عليه الاستعداد المبكر لخوض غمار الانتخابات المقبلة، وما يرافق ذلك من إعادة ترتيب للأوراق داخل مختلف الأحزاب السياسية.
وفي هذا الإطار، أصدرت المحكمة الإدارية بوجدة، مؤخرا حكمًا قضى بتجريد تسعة أعضاء من مجلس الجماعة الترابية بن الطيب، التابعة لإقليم الدريوش، من عضوية المجلس، مع ترتيب جميع الآثار القانونية المترتبة عن هذا القرار، في واحدة من أبرز القضايا التي استأثرت باهتمام المتابعين للشأن المحلي خلال الفترة الأخيرة.
وشمل الحكم كلًا من محمد أملاح، النائب الأول للرئيس، ومحمد الزكنوني، النائب الثاني، وعبد الرحيم حساني، النائب الثالث، وسميرة مراقي، النائبة الرابعة، إضافة إلى ياسين رياني، وعلي رياني، وسمية دحو، وعبد السلام بلمختار، ويسرى حري، وهم منتخبون ينتمون إلى الأغلبية المسيرة للمجلس الذي يرأسه محمد أزورال، المنتمي إلى حزب الحركة الشعبية.
وترى مصادر الجريدة 24 أن هذا القرار القضائي يحمل أبعادًا سياسية وتنظيمية تتجاوز حدود الجماعة الترابية، بالنظر إلى أنه استهدف منتخبين ينتمون إلى الحزب نفسه، وهو ما من شأنه أن ينعكس على التوازنات المحلية بالإقليم، في مرحلة تستعد فيها الأحزاب لتعبئة قواعدها استعدادًا للاستحقاقات المقبلة.
كما يأتي هذا التطور في ظرفية تنظيمية دقيقة يعيشها حزب الحركة الشعبية بجهة الشرق، في ظل استمرار شغور منصب المنسق الجهوي، وهو ما يضاعف من حجم التحديات المرتبطة بإعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب وتعزيز جاهزيته الانتخابية خلال الأشهر المقبلة.
وفي موازاة ذلك، شهد مجلس النواب خلال سنة 2026 سلسلة من الاستقالات البرلمانية، بلغ عددها ست استقالات، توزعت بين حالات مرتبطة بتغيير الانتماء السياسي وأخرى فرضتها مقتضيات حالة التنافي بين العضوية البرلمانية وتولي مهام داخل مؤسسات وهيئات عمومية.
وكان أول المغادرين قبة البرلمان النائب عبد الحق الشفيق، المنتخب باسم حزب الحركة الشعبية، بعدما غادر الحزب الذي ترشح باسمه، قبل أن يتقدم باستقالته من مجلس النواب، وهو ما ترتب عنه صدور قرار عن المحكمة الدستورية يقضي بتجريده من مقعده البرلماني، تطبيقا للمقتضيات القانونية المنظمة لتغيير الانتماء الحزبي.
وتواصلت بعد ذلك الاستقالات، حيث شملت خالد العجلي ونور الدين قشيبل عن حزب التجمع الوطني للأحرار، وخالد الحاتمي وأحمد الدهي عن حزب الأصالة والمعاصرة، وعبد المجيد الفاسي عن حزب الاستقلال، في تطورات عكست تنوع الدوافع بين إعادة التموضع السياسي والاستجابة لمقتضيات قانونية مرتبطة بحالة التنافي.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن استقالة خالد العجلي ونور الدين قشيبل وأحمد الدهي ارتبطت بتغيير انتمائهم الحزبي استعدادًا لخوض الانتخابات المقبلة بألوان سياسية جديدة، بينما جاءت استقالتا خالد الحاتمي وعبد المجيد الفاسي لفسح المجال أمام تعيينهما ضمن الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء، تفاديًا لأي وضعية قانونية تتعلق بالجمع بين المهام.
وأفضت هذه التطورات إلى التحاق أسماء جديدة بمجلس النواب لتعويض بعض المقاعد الشاغرة، حيث التحق حسن الماسي خلفًا لخالد الحاتمي، بينما عوض سعد الفحصي، رئيس جماعة غفساي، النائب المستقيل نور الدين قشيبل، كما التحق عبد الإله الإدريسي بالمجلس خلفًا لعبد الحق الشفيق، باعتباره المترشح الموالي في لائحة حزب الحركة الشعبية بالدائرة الانتخابية التي انتخب عنها بمدينة الدار البيضاء.
وفي موازاة هذه التحولات المؤسساتية، تشهد الساحة الحزبية حراكًا تنظيميًا متسارعًا، فرضته رهانات إعداد اللوائح الانتخابية وحسم التزكيات، وهي مرحلة غالبًا ما تفرز تنافسًا داخليًا حادًا بين المرشحين والطامحين إلى تمثيل أحزابهم في الاستحقاقات المقبلة.
وتفيد معطيات الجريدة 24 بأن عددا من الأحزاب يعيش على وقع توترات داخلية متفاوتة، بعدما تحولت مرحلة توزيع التزكيات إلى نقطة خلاف بين قيادات محلية ومناضلين، الأمر الذي انعكس في ارتفاع وتيرة الاستقالات الفردية والجماعية بعدد من الجهات.
وفي هذا السياق، أعلن حسن السعدوني، المنسق المحلي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة آسفي، استقالته من الحزب ومن مختلف مسؤولياته التنظيمية، مبررًا قراره بجملة من الاعتبارات المرتبطة بطريقة تدبير الشأن التنظيمي محليًا، وضعف التواصل مع المناضلين، إلى جانب محدودية التفاعل مع عدد من القضايا التي تهم المدينة.
وجاءت هذه الخطوة بعد أيام فقط من مغادرة خالد العجلي لفريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، وهو ما اعتبره متابعون مؤشرًا إضافيًا على التحركات السياسية التي تشهدها بعض الأحزاب مع اقتراب موعد الحسم في الترشيحات.
كما قدم خالد الحاتمي، النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، استقالته من عضوية مجلس النواب، في تطور أضاف معطى جديدًا إلى سلسلة التحركات التي تعرفها الساحة السياسية، وأعاد النقاش حول تأثير هذه المتغيرات على توازنات الأغلبية والمعارضة خلال ما تبقى من الولاية التشريعية.
ولم يكن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمنأى عن هذه الدينامية، إذ برزت بمدينة مراكش خلافات تنظيمية على خلفية تدبير التزكيات الخاصة بالانتخابات التشريعية، بعد اختيار الحسن الزلماط لقيادة اللائحة البرلمانية بدائرة المدينة-تسلطانت، وهو القرار الذي أثار تحفظات داخل بعض الهياكل الحزبية، وفق معطيات الجريدة 24.
وامتدت الارتدادات التنظيمية إلى جهة سوس-ماسة، بعدما أعلن الحسن بيقندارن، المنسق الجهوي للحزب، استقالته من جميع مسؤولياته التنظيمية وعضويته، في خطوة عكست استمرار حالة التوتر داخل بعض الفروع الجهوية للحزب.
وفي السياق ذاته، يعيش الحزب الاشتراكي الموحد بدوره على وقع استقالات متتالية، كان آخرها إعلان ستة أعضاء من مكتب فرع الحزب بإنشادن، بإقليم اشتوكة آيت باها، استقالتهم النهائية من الحزب، بعد أسابيع من إعلان 56 مناضلًا ومناضلة مغادرتهم التنظيم، في مؤشر على استمرار الخلافات الداخلية قبل أشهر من الاستحقاقات الانتخابية.
وتؤكد هذه التطورات، بحسب متابعين للشأن السياسي، أن العد العكسي لانتخابات 2026 بدأ يلقي بظلاله على الحياة الحزبية والمؤسسات المنتخبة، حيث تتقاطع رهانات إعادة تشكيل التحالفات مع المنافسة حول التزكيات والمواقع الانتخابية، في وقت تتواصل فيه إجراءات العزل والتجريد وتسجيل الاستقالات بوتيرة غير مسبوقة.