بيدرو سانشيز يحمل شبكات التهريب المسؤولية.. والمهاجرون: عانينا الجوع والعطش
بدأت مدينة سبتة المحتلة تدخل مرحلة جديدة في تدبير واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت السلطات الإسبانية من مرحلة مواجهة التدفق الكبير للمهاجرين إلى تفعيل إجراءات الإرجاع وإعادة تنظيم الوضع الأمني داخل المدينة.
في وقت كشفت فيه التطورات الميدانية عن انهيار سريع للرهانات التي دفعت آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم أملاً في الوصول إلى الضفة الأوروبية، قبل أن يصطدموا بواقع مغاير تماماً لما روجت له شبكات تهريب البشر.
وشهدت الساعات الماضية مباشرة السلطات الإسبانية عمليات إعادة المهاجرين غير النظاميين الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة عبر السواحل الشمالية للمملكة، وذلك في إطار تفعيل الآليات القانونية الخاصة بإرجاع الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط البقاء داخل التراب الإسباني.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع استمرار التنسيق الأمني والمؤسساتي بين الرباط ومدريد لمواجهة تداعيات الأزمة، بعدما تحولت المدينة خلال فترة وجيزة إلى نقطة استقطاب لآلاف المرشحين للهجرة غير النظامية.
وأظهرت الوقائع الميدانية أن الصورة التي رسمتها شبكات الاتجار بالبشر حول سهولة الوصول إلى أوروبا لم تصمد أمام الواقع، إذ وجد عدد كبير من المهاجرين أنفسهم دون مأوى أو غذاء أو خدمات أساسية، بعدما بلغت مراكز الإيواء التابعة للسلطات الإسبانية أقصى طاقتها الاستيعابية.
وأظهرت مقاطع فيديو جرى تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي شهادات لعدد من المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة المحتلة، تحدثوا فيها عن تعرضهم، بحسب رواياتهم، لمعاملة قاسية خلال وجودهم داخل المدينة، مشيرين إلى وقوع اعتداءات جسدية وتدخلات عنيفة أثناء التعامل معهم، فضلاً عن حالة من التوتر التي رافقت عمليات إبعادهم من بعض المناطق داخل الثغر المحتل.
كما أفاد عدد من هؤلاء المهاجرين بأنهم واجهوا ظروفاً إنسانية صعبة، مؤكدين أنهم عانوا من نقص حاد في المياه والغذاء على مدى يومين، الأمر الذي فاقم أوضاعهم ودفع كثيرين منهم إلى التخلي عن فكرة البقاء داخل المدينة، والعودة إلى المغرب بعد أن اصطدموا بواقع ميداني مخالف تماماً للتوقعات التي دفعتهم إلى خوض مغامرة الهجرة غير النظامية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خلال زيارته إلى سبتة، أن الأزمة الأخيرة ترتبط بشكل مباشر بنشاط شبكات الاتجار بالبشر، مبرزا أن هذه التنظيمات الإجرامية استغلت حكما حديثا للمحكمة العليا الإسبانية من أجل نشر معلومات مضللة أوحت بإمكانية الوصول إلى المدينة دون التعرض للإرجاع الفوري بالنسبة للمهاجرين الذين يعبرون البحر سباحة.
وأوضح أن هذه القراءة الخاطئة للحكم القضائي ساهمت في تشجيع موجة غير مسبوقة من محاولات العبور خلال الساعات الأخيرة.
وشدد سانشيز على أن التعاون بين المغرب وإسبانيا يشكل أحد أهم عناصر تدبير هذه الأزمة، مؤكدا أن الاتصالات بين سلطات البلدين ظلت متواصلة بشكل دائم، وأن مستوى التنسيق الحالي يختلف بصورة واضحة عن الظروف التي رافقت أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة سنة 2021، معتبراً أن الرباط شريك أساسي في مواجهة شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وفي الحفاظ على استقرار المنطقة.
وكشف رئيس الحكومة الإسبانية أن التقديرات الأولية للأجهزة الأمنية تشير إلى دخول أكثر من 40 ألف شخص إلى سبتة خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، وهو رقم يفوق نصف عدد سكان المدينة، فضلاً عن مئات الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إليها خلال الأيام السابقة عبر البحر، وهو ما فرض ضغطاً كبيراً على مختلف المرافق الأمنية والخدماتية والإدارية، ودفع السلطات إلى إعلان حالة استنفار غير مسبوقة.
وأعلن سانشيز أن حكومته تدرس اتخاذ تدابير إضافية لتعزيز مراقبة الحدود، من بينها تثبيت عوامات بحرية بمحاذاة الحاجز الفاصل بين سبتة ومدينة الفنيدق، بما يتماشى مع قرار المحكمة العليا الإسبانية ويساعد على تنفيذ إجراءات الإرجاع بشكل أكثر فعالية.
كما أشار إلى إمكانية إدخال تعديلات قانونية على بعض المقتضيات المنظمة للهجرة بهدف تعزيز فعالية السياسة الحدودية والتعامل مع الأزمات المشابهة مستقبلاً.
وبالتوازي مع ذلك، سارعت السلطات الإسبانية إلى تعزيز وجودها الأمني والعسكري داخل المدينة، من خلال نشر وحدات إضافية من الجيش ودعم الحرس المدني بعناصر وتجهيزات جديدة، استجابة للوضع الاستثنائي الذي فرضته الأعداد الكبيرة للوافدين.
كما طالب رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، بتدخل عاجل من الحكومة المركزية، معتبراً أن المدينة تواجه ضغطاً غير مسبوق يهدد قدرتها على تدبير الوضع الإنساني والأمني.
في المقابل، كثفت السلطات الأمنية المغربية انتشارها بمحيط معبر تراخال والمناطق الساحلية القريبة من سبتة، حيث تم تنفيذ عمليات ميدانية واسعة لمنع آلاف المرشحين للهجرة غير النظامية من الوصول إلى المدينة، مع تعزيز المراقبة على طول الشريط الساحلي والتدخل لإحباط محاولات العبور الجماعي التي تواصلت على امتداد الساعات الماضية.
وأعلنت الحكومة المحلية في سبتة أن نحو 37 ألفاً و500 شخص من أصل ما يقارب 50 ألف مهاجر دخلوا المدينة منذ منتصف ليلة الأربعاء إلى الخميس 30 يوليوز 2026 عادوا طوعاً إلى المغرب إلى حدود مساء الجمعة 31 يوليوز 2026، مشيرة إلى أن وتيرة المغادرة بلغت خلال الفترة الصباحية حوالي 150 شخصاً في الدقيقة، وهو ما يعكس السرعة التي تراجعت بها موجة التدفق بعد انكشاف الواقع الميداني داخل المدينة.
وتبرز هذه التطورات أن أزمة سبتة دخلت مرحلة جديدة عنوانها تشديد الإجراءات الأمنية وتكثيف عمليات الإرجاع، في مقابل استمرار الحرب على شبكات الاتجار بالبشر التي تستغل أوضاع الشباب وتغذي أوهام الهجرة غير النظامية.
كما تؤكد الأحداث أن التنسيق المغربي الإسباني يظل أحد أهم المرتكزات الأساسية لتدبير هذا الملف، في وقت تتواصل فيه الجهود الأمنية للحد من محاولات العبور وحماية الأرواح، وسط ترقب لما ستسفر عنه الإجراءات الجديدة التي تعتزم مدريد اعتمادها لتعزيز أمن حدودها والتعامل مع أي موجات هجرة محتملة خلال الفترة المقبلة.