أزمة سبتة تعصف باحتفالات عيد العرش.. مقاطعات الدار البيضاء تلغي جميع الحفلات
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها قضية الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة، وما رافقها من تداعيات إنسانية وأمنية أثارت اهتمام الرأي العام داخل المغرب وخارجه، اتجهت عدد من مقاطعات مدينة الدار البيضاء إلى مراجعة برامجها الخاصة بالاحتفال بعيد العرش، في خطوة تعكس تفاعلاً مع المستجدات التي فرضتها الأحداث الأخيرة، وتؤكد حرص المسؤولين المحليين على مراعاة الظرفية الراهنة وما خلفته من أصداء واسعة.
ووفق المعطيات التي حصلت عليها الجريدة 24، فقد قررت معظم مقاطعات العاصمة الاقتصادبة إلغاء جميع الحفلات الفنية والأنشطة الاحتفالية التي كانت مبرمجة بمناسبة عيد العرش، وذلك على خلفية التطورات التي شهدها معبر سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة، والتي ما تزال انعكاساتها الإنسانية والأمنية مستمرة.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن هذا القرار جاء تنفيذاً لتعليمات صادرة عن السلطات المحلية بمختلف العمالات والمقاطعات، دعت إلى تعليق جميع المظاهر الاحتفالية الفنية خلال هذه المرحلة.
ويأتي هذا القرار في سياق ظرف استثنائي فرضته موجة الهجرة غير النظامية التي عرفت توافد أعداد كبيرة من المهاجرين نحو المدينة المحتلة، وهو ما استدعى إعادة ترتيب الأولويات على المستوى المحلي، مع تغليب الاعتبارات المرتبطة بتداعيات الأزمة على تنظيم الأنشطة الترفيهية والفنية، في وقت تتواصل فيه متابعة مختلف التطورات المرتبطة بهذا الملف.
وفي المقابل، دخلت مدينة سبتة المحتلة مرحلة جديدة من تدبير واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت السلطات الإسبانية من مرحلة التعامل مع التدفق المكثف للمهاجرين إلى مباشرة عمليات إعادة الوافدين غير المستوفين لشروط البقاء، بالتوازي مع تشديد الإجراءات الأمنية وإعادة تنظيم الوضع داخل المدينة بعد أيام اتسمت بضغط غير مسبوق على مختلف المرافق والخدمات.
وكشفت المعطيات الميدانية أن الآمال التي دفعت آلاف الشباب إلى خوض مغامرة الهجرة نحو الضفة الأوروبية اصطدمت بواقع مختلف تماماً، بعدما وجد عدد كبير منهم أنفسهم في أوضاع صعبة نتيجة محدودية قدرات الاستقبال والإيواء، في وقت برزت فيه مجدداً المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الوعود التي تروج لها شبكات تهريب البشر، والتي غالباً ما تقدم صورة مضللة حول سهولة الوصول والاستقرار داخل التراب الأوروبي.
وخلال الساعات الماضية، باشرت السلطات الإسبانية عمليات إعادة المهاجرين غير النظاميين الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة عبر السواحل الشمالية للمملكة، وذلك في إطار تفعيل المساطر القانونية المعمول بها بشأن الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط الإقامة داخل الأراضي الإسبانية، في خطوة تعكس انتقال إدارة الأزمة إلى مرحلة جديدة تركز على تقليص أعداد الوافدين وإعادة الوضع إلى طبيعته.
ويتزامن ذلك مع استمرار التنسيق الأمني والمؤسساتي بين الرباط ومدريد لمواجهة تداعيات هذه الأزمة، في ظل الجهود الرامية إلى الحد من محاولات الهجرة غير النظامية، ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر التي تستغل أوضاع الشباب وتدفعهم إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر، وسط تأكيدات متواصلة على أهمية التعاون الثنائي في تدبير الملفات المرتبطة بأمن الحدود والهجرة.
وأظهرت الوقائع الميدانية أن مراكز الإيواء التابعة للسلطات الإسبانية بلغت مستوياتها القصوى من حيث القدرة الاستيعابية، الأمر الذي انعكس على أوضاع المهاجرين الذين وجد كثير منهم أنفسهم في ظروف معيشية صعبة، بعدما تعذر توفير خدمات الإقامة والغذاء والرعاية الأساسية لجميع الوافدين، وهو ما أبرز حجم الضغط الذي تعرضت له المدينة خلال فترة وجيزة.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غرانديه-مارلاسكا، اليوم السبت 01 غشت 2026، مقتل ما لا يقل عن 67 مهاجراً أثناء محاولتهم الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة انطلاقاً من السواحل المغربية، مؤكداً أن الأوضاع على الحدود عادت إلى ما وصفه بـ"شبه الطبيعي" بعد أيام من أزمة هجرة غير مسبوقة.
وأوضح الوزير، خلال إحاطة إعلامية أعقبت اجتماعاً طارئاً عقد بمدينة سبتة لتقييم تداعيات موجة العبور الجماعي، أن ما شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية شكل أحداثاً مأساوية بكل المقاييس، مشيراً إلى أن الوضع تغير بشكل كبير في أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، بعدما تراجعت محاولات العبور بشكل لافت مقارنة ببداية الأزمة.
وبالتزامن مع هذه التطورات، شرعت السلطات الإسبانية في تركيب حاجز بحري بمنطقة تراخال الحدودية، في إطار إجراءات جديدة تهدف إلى تعزيز المراقبة على الحدود البحرية ومنع تكرار سيناريو التدفقات الجماعية، مع استمرار تعزيز الحضور الأمني بمحيط النقاط الحساسة التي شهدت محاولات عبور مكثفة خلال الأيام الماضية.
وأكدت وزارة الداخلية الإسبانية أن ليلة الجمعة مرت دون تسجيل أي عمليات دخول جديدة إلى مدينة سبتة من الجانب المغربي، في مقابل تواصل عمليات إعادة المهاجرين نحو المغرب في ظروف وصفتها السلطات بالإجرائية، دون تسجيل حوادث بارزة، وهو ما اعتبر مؤشراً على تراجع حدة الأزمة مقارنة بالأيام الأولى.
وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن السلطات الإسبانية إلى أن نحو 50 ألف شخص دخلوا مدينة سبتة بطريقة غير نظامية خلال هذه الأزمة، بينما عاد 48 ألفاً و300 شخص إلى المغرب، في حصيلة تعكس استمرار عمليات إعادة الوافدين بالتوازي مع الإجراءات الأمنية الجديدة، في وقت تتواصل فيه المتابعة الميدانية لتقييم تداعيات هذه الموجة الاستثنائية وانعكاساتها الإنسانية والأمنية على جانبي الحدود.