مستحقات بالملايين تربك مقاولات التنمية القروية.. والحكومة تحت الضغط
مع اقتراب العد العكسي لانتهاء الولاية الحكومية الحالية، عاد ملف تأخر صرف مستحقات المقاولات المكلفة بإنجاز مشاريع ممولة من صندوق التنمية القروية (FDR) إلى صدارة النقاش داخل المؤسسة التشريعية، بعدما تصاعدت المطالب بضرورة التدخل العاجل لمعالجة هذا الملف الذي بات يلقي بظلاله على أوضاع عشرات المقاولات الصغرى والمتوسطة، وسط تحذيرات من تداعياته الاقتصادية والاجتماعية على الاستثمار والتشغيل والتنمية بالمجالات القروية.
ويأتي هذا الملف في سياق يتسم بتزايد المطالب بتسريع تسوية عدد من القضايا الاقتصادية العالقة قبل نهاية الولاية الحكومية، خاصة تلك المرتبطة بتنفيذ الصفقات العمومية واحترام آجال الأداء، باعتبار أن انتظام صرف المستحقات يعد من الركائز الأساسية لضمان استمرارية المشاريع التنموية والحفاظ على التوازن المالي للمقاولات المكلفة بإنجازها.
وفي هذا الإطار، وجه فريق التجمع الوطني للأحرار سؤالا كتابيا إلى كل من رئيس الحكومة، ووزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ووزيرة الاقتصاد والمالية، طالب من خلاله بالكشف عن الإجراءات الاستعجالية المزمع اتخاذها لتسوية مستحقات المقاولات التي أنجزت مشاريع ممولة من صندوق التنمية القروية، وذلك بعد تسجيل تأخر في الأداء تجاوز سبعة أشهر بالنسبة إلى عدد من الملفات، وفق ما أورده الفريق في مراسلته.
وأوضح السؤال، الموقع من طرف النائب البرلماني الحسين وعلال، أن عددا من المقاولات الصغرى والمتوسطة، خاصة بجهة درعة تافيلالت، استكملت الأشغال الموكولة إليها وفقا للضوابط القانونية والتقنية، وأودعت الكشوفات والوثائق المطلوبة لدى المصالح المختصة، غير أنها لم تتوصل بمستحقاتها المالية، الأمر الذي انعكس على وضعيتها المالية.
وأدى، بحسب المعطيات الواردة في السؤال، إلى توقف عدد من المقاولات عن النشاط، وإفلاس أخرى، وتسريح مئات العمال، فضلا عن تأثير ذلك على الدورة الاقتصادية المحلية.
وأكد الفريق البرلماني أن المقاولات الصغرى والمتوسطة تمثل فاعلا أساسيا في تنزيل المشاريع التنموية والأوراش المرتبطة بالنموذج التنموي الجديد، مشددا على أن الحفاظ على استمراريتها يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى دورها في خلق فرص الشغل والمساهمة في تنفيذ البرامج العمومية بمختلف الجهات.
كما دعا الفريق الحكومة إلى التعجيل بصرف جميع المستحقات المالية العالقة لفائدة المقاولات المتضررة، مع توضيح مآل تفعيل غرامات التأخير المنصوص عليها في النصوص القانونية الجاري بها العمل، وذلك ضمانا لاحترام الالتزامات التعاقدية وحماية حقوق المقاولات.
وبالتوازي مع ذلك، وجه النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المهدي العالوي، سؤالا كتابيا إلى الحكومة، سلط فيه الضوء على الشكايات التي توصل بها من عدد من المقاولين الذين أنجزوا مشاريع ممولة من صندوق التنمية القروية، والذين أكدوا استمرار تأخر صرف مستحقاتهم لأكثر من ستة أشهر في بعض الحالات، رغم استكمال جميع الإجراءات المرتبطة بإنجاز الأشغال وإيداع الكشوفات لدى الجهات المختصة.
وأشار النائب البرلماني إلى أن هذا الوضع يثير تساؤلات بشأن مدى احترام المقتضيات القانونية المؤطرة للصفقات العمومية، مبرزا أن المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية حدد آجال الأداء في ثلاثين يوما، كما استحضر مقتضيات القانون رقم 69.21، معتبرا أن تجاوز هذه الآجال ينعكس بشكل مباشر على التوازنات المالية للمقاولات، ويؤثر على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العمال والموردين والمؤسسات المالية.
وساءل المهدي العالوي الحكومة عن الإجراءات الاستعجالية التي ستعتمدها لصرف جميع الكشوفات المالية العالقة الخاصة بمشاريع صندوق التنمية القروية، كما طالب بتوضيح الأسباب التي تقف وراء استمرار هذا التأخير، رغم الحديث عن توفر الاعتمادات المالية المخصصة لهذه المشاريع، إضافة إلى الكشف عن موقفها من تفعيل التعويضات وغرامات التأخير المنصوص عليها قانونا، والتي تبلغ نسبتها 7 في المائة سنويا، فضلا عن الإجراءات التي ستضمن عدم تكرار هذه الإشكالات مستقبلا.
ويعكس تزامن هذه المبادرات الرقابية من الأغلبية والمعارضة اتساع دائرة الانشغال داخل البرلمان بتداعيات تأخر صرف مستحقات المقاولات، خاصة في ظل ما يترتب عن ذلك من آثار مباشرة على استمرارية المقاولات الصغرى والمتوسطة، وعلى مناصب الشغل، وسير المشاريع التنموية التي تشكل رافعة أساسية لتنمية العالم القروي وتقليص الفوارق المجالية.
ومع استمرار انتظار المقاولات المتضررة لتسوية مستحقاتها، تتجه الأنظار إلى الأجوبة التي ستقدمها الحكومة بشأن هذا الملف، وما إذا كانت ستتخذ إجراءات عملية لتسريع صرف المستحقات واحترام الآجال القانونية للأداء، بما يعزز الثقة في منظومة الصفقات العمومية ويحافظ على استقرار النسيج المقاولاتي الوطني في مرحلة تتسم بارتفاع التحديات الاقتصادية واقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية.