هل تربك واشنطن مدريد مجددا في ملف سبتة ومليلية المحتلتين؟
تشهد العلاقات المغربية الأمريكية خلال المرحلة الحالية دينامية متصاعدة تعكس متانة الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مؤشرات جديدة صادرة عن مؤسسات أمريكية تعيد إحياء النقاش بشأن عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، وفي مقدمتها قضية سبتة ومليلية المحتلتين.
ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي معقد يتداخل فيه الأمن والهجرة والتوازنات الجيوسياسية، ما منح أي إشارة صادرة عن دوائر القرار الأمريكية اهتماماً سياسياً وإعلامياً واسعاً داخل المغرب وإسبانيا على حد سواء.
وأعاد النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي، توماس ماسي، هذا الملف إلى الواجهة بعدما نشر عبر حسابه على منصة "إكس" مقتطفاً من تقرير رسمي مرفق بمشروع قانون أمريكي يتعلق باعتمادات الأمن القومي ووزارة الخارجية للسنة المالية 2027، معتبراً أن الوثيقة التي صادق عليها مجلس النواب الأمريكي قبل أسابيع تتضمن مضامين تفتح الباب أمام مقاربة مختلفة لمستقبل سبتة ومليلية.
وجاء تحرك ماسي بالتزامن مع الجدل الذي أثارته موجة الهجرة الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة، وهو ما منح مضمون التقرير بعداً سياسياً أكبر داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ويكشف الرجوع إلى الوثائق الرسمية للكونغرس الأمريكي أن الأمر يتعلق بالتقرير رقم 119-631 الصادر عن لجنة الاعتمادات، والمرافق لمشروع القانون H.R. 8595 الخاص بتمويل الأمن القومي ووزارة الخارجية والبرامج المرتبطة بها برسم السنة المالية 2027.
وقد صادق مجلس النواب على المشروع في 15 يوليوز 2026 بأغلبية 217 صوتاً مقابل 209، فيما كان توماس ماسي الجمهوري الوحيد الذي صوت ضده، بينما تغيب نائبان جمهوريان عن جلسة التصويت.
وتضمن التقرير إشادة بالعلاقات التاريخية التي تجمع الولايات المتحدة بالمغرب، مذكراً بمعاهدة السلام والصداقة الموقعة سنة 1786، باعتبارها واحدة من أقدم الاتفاقيات الدبلوماسية المستمرة في تاريخ الولايات المتحدة.
كما أوصى بتخصيص ما لا يقل عن 20 مليون دولار لبرامج الاستثمار في الأمن القومي بالمغرب، إضافة إلى 20 مليون دولار في إطار برنامج التمويل العسكري الخارجي، بما يعكس استمرار الرهان الأمريكي على المملكة باعتبارها شريكاً محورياً في قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي.
ورغم ذلك، فإن التقرير لا يمثل اعترافا قانونيا من الولايات المتحدة بمغربية سبتة ومليلية، كما لا يتضمن أي قرار يتعلق بنقل السيادة أو تعديل الوضع القانوني للمدينتين، لأن هذه المضامين وردت ضمن تقرير تفسيري صادر عن لجنة برلمانية، وليس داخل النص التشريعي الملزم الذي يخضع للتصويت النهائي.
ومع ذلك، فإن مثل هذه التقارير تكتسي أهمية سياسية داخل واشنطن، لأنها تعكس توجهات لجان الكونغرس وتؤثر في النقاشات المرتبطة بالسياسة الخارجية الأمريكية.
ويأتي ذلك في ظل تنامي التعاون المغربي الأمريكي في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، الأمر الذي يعزز مكانة المغرب داخل الاستراتيجية الأمريكية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، ويمنح أي موقف أو وثيقة صادرة عن المؤسسات الأمريكية المتعلقة بالمملكة أهمية سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدود النقاش الداخلي داخل الكونغرس.