هل يتحول "التوقيت الميسر" إلى ورقة صدام داخل الأغلبية الحكومية؟
مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، يتجه ملف الرسوم المفروضة على التكوينات الجامعية بنظام "التوقيت الميسر" إلى التحول من نقاش أكاديمي إلى قضية سياسية تتقاطع فيها اعتبارات الإصلاح الجامعي مع رهانات العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، واتساع دائرة الرافضين لاعتماد رسوم يعتبرها معارضوها مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية لفئات واسعة من الطلبة، وخاصة الموظفين والأجراء الراغبين في استكمال مسارهم الجامعي.
وتزايدت حدة الجدل بعد شروع عدد من الجامعات المغربية في تفعيل هذه الرسوم بالنسبة للمسالك المعتمدة في إطار نظام "التوقيت الميسر"، حيث تحددت مبالغ التسجيل في 5000 درهم سنويا بالنسبة لسلك الإجازة، و18 ألف درهم بالنسبة لسلك الباشلور، و15 ألف درهم سنويا في سلك الماستر، بينما تبلغ رسوم التسجيل في الدكتوراه 20 ألف درهم سنويا خلال السنوات الأربع الأولى، بما يرفع الكلفة الإجمالية إلى 15 ألف درهم للإجازة، و30 ألف درهم للماستر، و80 ألف درهم للدكتوراه، وهو ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات داخل الأوساط الجامعية والنقابية.
ويأتي هذا النقاش في ظرفية سياسية تتسم بارتفاع منسوب التوتر بين مكونات الأغلبية الحكومية، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة خلال شهر شتنبر، حيث بدأت ملفات اجتماعية وتعليمية تفرض نفسها بقوة على أجندة السجال السياسي، بعدما تحولت إلى محور لتبادل الانتقادات بين الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي.
وفي هذا السياق، دخل حزب الاستقلال على خط الجدل، بعدما وجه البرلماني منصف الطوب، المنتخب عن دائرة تطوان، سؤالاً كتابياً إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، المنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، طالب فيه بتوضيح الأساس القانوني الذي تستند إليه الجامعات في فرض هذه الرسوم، وانعكاساتها على الحق الدستوري في التعليم ومبدأ تكافؤ الفرص.
واعتبر النائب البرلماني أن الفصل 31 من الدستور يكفل الحق في التعليم لجميع المواطنات والمواطنين، ويجعل تطوير التعليم العالي والبحث العلمي ركيزة لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، مشيراً إلى أن فرض رسوم مرتفعة على بعض التكوينات الجامعية يثير مخاوف بشأن ربط الولوج إليها بالقدرة المادية أكثر من الاستحقاق العلمي، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لعدد من الأسر.
كما أثار السؤال البرلماني وضعية الطلبة الأجراء والموظفين الذين اختاروا متابعة دراستهم بالتوازي مع التزاماتهم المهنية، معتبراً أن العديد منهم يواجهون صعوبات مرتبطة بقيمة الرسوم من جهة، وببرمجة الدروس والامتحانات في أوقات تتعارض مع التزاماتهم الوظيفية من جهة أخرى، الأمر الذي قد يحد من استفادتهم الفعلية من هذه التكوينات.
وتطرق البرلماني أيضاً إلى الجدل الذي رافق مطالبة بعض الجامعات لطلبة سبق تسجيلهم قبل دخول المقتضيات الجديدة حيز التنفيذ بأداء الرسوم، أو الإدلاء بما يثبت عدم مزاولتهم لأي نشاط مهني، معتبراً أن هذه الحالات تثير تساؤلات قانونية مرتبطة بمبدأ الأمن القانوني وعدم رجعية القوانين، فضلاً عن ضرورة ضمان وضوح المساطر الإدارية واحترام الحقوق المكتسبة.
كما طالب الوزير بالكشف عن التدابير المزمع اتخاذها لمراعاة خصوصية الطلبة الأجراء، سواء من خلال مراجعة الرسوم أو ملاءمة برمجة الدراسة والامتحانات مع أوضاعهم المهنية، إضافة إلى توضيح ما إذا كانت الوزارة تعتزم إنجاز تقييم وطني مستقل وشفاف لآثار هذه الرسوم على ولوج التعليم العالي وجودة التكوين والبحث العلمي، مع نشر نتائجه للرأي العام.
وفي موازاة ذلك، دخلت مؤسسة وسيط المملكة على خط هذا الملف، بعدما أحالت تظلماً تقدم به أحد المتضررين من الرسوم الخاصة بنظام "التوقيت الميسر" إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، قصد دراسة الموضوع واتخاذ ما تراه مناسباً في حدود اختصاصاتها القانونية.
وأوضحت المؤسسة، في مراسلتها إلى صاحب التظلم، أنها قامت بدراسة المعطيات الواردة في الشكاية، قبل أن تقرر إحالة الملف إلى الوزارة المختصة، استناداً إلى مقتضيات القانون رقم 14.16 المنظم لمؤسسة وسيط المملكة، الذي يحدد اختصاصاتها في معالجة التظلمات المتعلقة بتصرفات الإدارة، وينص على إحالة الملفات إلى الجهات المختصة عندما يتعلق الأمر بمواضيع تدخل ضمن صلاحياتها.
ويأتي هذا التطور في وقت تواصل فيه مجالس الجامعات المغربية المصادقة على الرسوم الموحدة الخاصة بالتكوين بنظام "التوقيت الميسر"، تنفيذاً للتوصيات الصادرة عن ندوة رؤساء الجامعات التي انعقدت، بطلب من وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين الميداوي، بتاريخ 13 دجنبر 2025، والتي أقرت اعتماد تعريفة موحدة على الصعيد الوطني بالنسبة لمختلف الأسلاك الجامعية.
وفي المقابل، يرى تيار الأساتذة الباحثين التقدميين بالنقابة الوطنية للتعليم العالي، في بلاغ صدر بتاريخ 15 يوليوز 2026، أن المادة 81 من القانون رقم 59.24 لا يمكن تفسيرها باعتبارها تفرض التكوين بنظام "التوقيت الميسر" بشكل إلزامي على أي فئة من الطلبة، وإنما جاءت لإقرار مسار تكويني اختياري ومرن يشكل فرصة إضافية إلى جانب التكوين الأساسي العادي، معتبراً أن تحويل هذا الاختيار إلى التزام أو أساس للتمييز بين الطلبة يثير إشكالات قانونية وأكاديمية.
وفي انتظار تفاعل وزارة التعليم العالي مع الأسئلة البرلمانية والتظلمات المعروضة عليها، يواصل هذا الملف فرض حضوره في النقاش العمومي، وسط مطالب متزايدة بإيجاد صيغة تحقق التوازن بين تنويع مصادر تمويل الجامعات وتوسيع العرض التكويني من جهة، وضمان الحق في الولوج المنصف إلى التعليم العالي وعدم تحميل فئات واسعة من الطلبة أعباء مالية قد تحول دون استكمال مسارهم الأكاديمي من جهة أخرى، في قضية مرشحة لأن تبقى ضمن أبرز الملفات التعليمية والسياسية المطروحة خلال المرحلة المقبلة.