قبل انتخابات 2026.. أحزاب الأغلبية ترفع سقف الوعود لاستمالة أصوات الشباب

الكاتب : انس شريد

09 August 2026 - 07:30
الخط :

يدخل المغرب مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة خلال شتنبر 2026، في ظل تصاعد الرهانات المرتبطة بتجديد النخب وتعزيز حضور الشباب والنساء داخل المؤسسات المنتخبة، بالتزامن مع اشتداد المنافسة بين الأحزاب السياسية على استمالة أصوات الناخبين وتقديم تصورات جديدة لمعالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.

وتأتي هذه الاستحقاقات في سياق وطني يتجاوز الحسابات الانتخابية التقليدية، بعدما أصبح النقاش حول الثقة في المؤسسات والقدرة على تحويل البرامج السياسية إلى إجراءات ملموسة أحد أبرز محددات النقاش العمومي. كما تفرض التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية نفسها على الأحزاب، خصوصاً في ما يتعلق بمستقبل الشباب، وفرص الشغل، والسكن، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، وهي ملفات باتت تشكل محوراً أساسياً في صياغة الخطاب الانتخابي.

ومع اقتراب موعد الاقتراع، تتجه الأحزاب إلى الكشف تدريجياً عن تصوراتها وبرامجها، في محاولة لإعادة بناء جسور التواصل مع فئات واسعة من الناخبين، وفي مقدمتها الشباب، الذي تحول إلى إحدى أهم ساحات التنافس السياسي، بالنظر إلى حجم انتظاراته وتطلعاته ورغبته في رؤية حلول عملية لقضايا التشغيل والاستقرار الاجتماعي والمشاركة في الحياة العامة.

وفي هذا السياق، أعلن نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، أن حزبه يتجه إلى اقتراح قانون خاص لمحاربة تضارب المصالح والاحتكار، في حال مشاركته في الحكومة المقبلة، واضعاً هذا الورش ضمن الأولويات التي يرى الحزب أنها ضرورية لتعزيز المنافسة الاقتصادية وضبط الممارسات التي يمكن أن تؤثر على الأسعار وهوامش الربح.

وأوضح بركة، خلال اجتماع للمكتب التنفيذي لمنظمة الشبيبة الاستقلالية خُصص لمناقشة مشروع البرنامج الانتخابي الخاص بالشباب، أن التصور الذي يقدمه الحزب يقوم على وضع آليات أكثر فعالية لمراقبة هوامش الربح ومحاصرة مظاهر الاحتكار، بما يسمح بالحفاظ على مستويات يرى الحزب أنها ملائمة للقدرة الشرائية للمواطنين.

ويأتي هذا الطرح في وقت أصبحت فيه القدرة الشرائية من الملفات الأكثر حضوراً في النقاش السياسي، بعدما باتت أسعار عدد من المواد والخدمات تشكل عاملاً مؤثراً في تقييم المواطنين للسياسات العمومية. ومن هذا المنطلق، يسعى حزب الاستقلال إلى تقديم مقاربة تربط بين الإصلاح الاقتصادي وحماية المستهلك وتعزيز المنافسة.

ويحتل الشباب موقعاً متقدماً في التصور الانتخابي الذي يستعد حزب الاستقلال لتقديمه، إذ اعتمدت منظمة الشبيبة الاستقلالية على عملية تشخيص ميداني قالت إنها أُنجزت خلال سنة 2025، وشملت آلاف الشابات والشبان في الأوساط الجامعية وعلى مستوى الجماعات والمدن، بهدف الوقوف على انتظارات هذه الفئة ومشاكلها الأساسية.

كما اعتمد الحزب، وفق المعطيات المقدمة، لقاءات تشاركية أفضت إلى إعداد مذكرة خاصة بالشباب، شارك في بلورتها ما لا يقل عن 50 ألف شاب وشابة، في خطوة يراد منها نقل مطالب هذه الفئة من مستوى النقاش العام إلى صلب البرنامج الانتخابي للحزب.

ويربط حزب الاستقلال رهانه على الشباب بمسألة المشاركة السياسية، في محاولة لإعادة تقديم العمل المؤسساتي باعتباره أحد مسارات التغيير والإصلاح. ويستند الحزب في هذا التصور إلى مرجعياته التاريخية والسياسية، مستحضراً إرث الزعيم علال الفاسي، ومؤكداً أن الإصلاح، وفق رؤيته، يمر عبر التعامل مع الواقع ومواجهته والعمل على تغييره من داخل المؤسسات.

ويضع هذا التصور التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وتكافؤ الفرص ضمن الأهداف التي يفترض أن تؤطر السياسات العمومية المقبلة، مع التركيز على توفير الظروف التي تسمح للشباب ببناء مستقبلهم داخل المغرب، بدل دفعهم إلى البحث عن فرص خارج البلاد.

وتحضر قضية الأسرة بدورها في هذا النقاش، بعدما ربط بركة بين الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الشباب وبين تراجع القدرة على تأسيس الأسر. ووفق المعطيات التي قدمها، فإن أكثر من ثلث الشباب المغربي لم يعد قادراً على تأسيس أسرة بسبب جملة من الإكراهات التي تطال النساء والرجال على حد سواء.

ومن هذا المنطلق، يطرح حزب الاستقلال ضرورة معالجة عدد من العوامل المرتبطة بالاستقرار الأسري، وفي مقدمتها الولوج إلى السكن وفرص الشغل وتقوية القدرات، باعتبارها عناصر مترابطة تؤثر بشكل مباشر في قدرة الشباب على بناء مستقبلهم واتخاذ قرارات مرتبطة بالزواج وتأسيس الأسرة.

وفي التعليم والصحة، يضع الحزب المرفق العمومي في صلب تصوره، معتبراً أن تحسين جودة الخدمات العمومية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق تكافؤ الفرص. ويستند هذا الطرح إلى كون الغالبية العظمى من أبناء المغاربة تتابع دراستها داخل المدرسة العمومية، ما يجعل إصلاح التعليم والتكوين رهانا يتجاوز القطاع نفسه ليشمل مستقبل الأجيال الجديدة.

أما في المجال الصحي، فيرتبط النقاش خصوصاً بالمناطق القروية والمجالات التي يظل فيها القطاع العمومي المزود الرئيسي للخدمات الصحية.

ويؤكد هذا المعطى أهمية الاستثمار في المستشفيات والمراكز الصحية والموارد البشرية، بما يضمن حصول المواطنين على خدمات علاجية ذات جودة، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي أو قدرتهم المالية.

وبالتوازي مع تحركات حزب الاستقلال، دخل حزب التجمع الوطني للأحرار بدوره على خط التنافس حول أصوات الشباب من خلال برنامج انتخابي للفترة 2026-2031، حمل شعار "كرامة وفرص للجميع"، وقدم من خلاله مجموعة من الالتزامات المرتبطة بالتشغيل وريادة الأعمال والحماية الاجتماعية وتأهيل الكفاءات.

ويضع البرنامج تقليص البطالة ضمن أبرز رهاناته، من خلال هدف خفض معدل البطالة إلى أقل من 9 في المائة بحلول سنة 2030، عبر استراتيجية موجهة إلى الشباب، إلى جانب التعويل على الأوراش الكبرى والاستثمارات المرتبطة باستعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 باعتبارها رافعة قادرة على خلق فرص شغل جديدة.

ويركز تصور التجمع الوطني للأحرار على ستة قطاعات استراتيجية لدمج الشباب في سوق العمل، تشمل السياحة والخدمات والصناعة الوطنية والفلاحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الرقمي، في محاولة لربط التكوين والمهارات بالقطاعات التي يفترض أن تشهد طلباً متزايداً على الموارد البشرية خلال السنوات المقبلة.

ولا يتوقف البرنامج عند التشغيل، بل يولي أهمية للمبادرة الفردية والمقاولة، من خلال مقترحات تستهدف الشباب الراغبين في إنشاء مشاريعهم الخاصة، من بينها تقديم قروض بدون فوائد لفائدة المستثمرين الشباب، إلى جانب آليات للمواكبة والتأهيل ومساعدة حاملي المشاريع على تطوير مقاولاتهم وضمان استمراريتها.

وفي الجانب المتعلق بالأمن المالي للشباب العامل، يقترح الحزب إطلاق آلية تحمل اسم "درع الادخار"، تستهدف مساعدة الشغيلة الشابة على تكوين رصيد مالي مستقبلي بدعم وتحفيز من الدولة. كما يتضمن البرنامج التزاماً بتمديد مدة التعويض عن فقدان الشغل إلى 12 شهراً، عوض ستة أشهر، بما يراد منه توفير هامش أكبر من الحماية أمام الشباب الذين يفقدون وظائفهم.

ويحضر التعليم والتكوين بدورهما ضمن هذا التصور، من خلال الدعوة إلى جعل المسارات التعليمية والتكوينية أكثر ارتباطاً بحاجيات الاقتصاد وسوق الشغل، إلى جانب مواصلة تعميم تجربة مدارس الريادة والارتقاء بجودة المدرسة العمومية بهدف تعزيز تكافؤ الفرص.

وفي الجهة المقابلة، يراهن حزب الأصالة والمعاصرة على تعزيز حضور الشباب والنساء داخل هياكله ومراكز القرار، مع طرح توجه يقوم على فتح المجال أمام الكفاءات الشابة والنسائية للمشاركة بصورة أكبر في تدبير الشأن السياسي والتنموي.

ويضع الحزب تحسين أدوات الإنصات إلى الشباب ضمن أولوياته، في محاولة لفهم انتظارات هذه الفئة وتطوير مقترحات اقتصادية واجتماعية تستجيب لمشاكلها، خصوصاً في ما يرتبط بالعزوف عن المشاركة والهجرة غير النظامية.

كما يؤكد حزب الأصالة والمعاصرة توجهه نحو استقطاب الكفاءات والخبرات الوطنية، والاستفادة من الأطر التي راكمت تجارب داخل مؤسسات الدولة ومجالات مختلفة، في إطار سعيه إلى تعزيز قدرته على مواكبة الأوراش الاقتصادية والرياضية والتنموية الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة.

وتكشف هذه التوجهات عن انتقال واضح في طبيعة التنافس الانتخابي، إذ لم يعد استقطاب الشباب مجرد عنوان ثانوي في البرامج الحزبية، بل أصبح جزءاً من المعركة السياسية نفسها، بالنظر إلى ارتباط هذه الفئة بمجموعة من الملفات التي ستحدد، إلى حد كبير، صورة المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها التشغيل والسكن والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والمشاركة السياسية.

ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في شتنبر 2026، تبدو الأحزاب مطالبة بتحويل وعودها الانتخابية إلى تصورات قابلة للقياس والتنفيذ، خصوصاً أن الناخبين لا يبحثون فقط عن شعارات جديدة، وإنما عن حلول عملية لانتظارات تراكمت على مدى سنوات.

آخر الأخبار