قانون المالية 2027.. مطالب نقابية لسد خصاص يتجاوز 30 ألفا في قطاع الصحة
دعت المنظمة الديمقراطية للشغل والمنظمة الديمقراطية للصحة الحكومة إلى مراجعة سياسة الموارد البشرية بقطاع الصحة، مع اقتراب إعداد قانون المالية لسنة 2027، محذرتين من استمرار الفجوة بين الحاجيات الفعلية للمنظومة الصحية الوطنية من الأطر، وبين عدد المناصب المالية التي يتم إحداثها سنوياً، خصوصاً في صفوف الممرضين والممرضات والقابلات وتقنيي وتقنيات الصحة بمختلف تخصصاتهم.
وأوضحت المنظمتان، في بلاغ مشترك، أن القطاع يعيش مفارقة لافتة تتمثل في استمرار الاستثمارات العمومية في بناء وتجهيز المستشفيات الجامعية ومستشفيات القرب والمراكز الصحية وتوسيع العرض الصحي، مقابل استمرار الخصاص الحاد في الموارد البشرية، في وقت يجد فيه آلاف خريجي معاهد التمريض وتقنيات الصحة ISPITS أنفسهم خارج سوق الشغل، رغم توفرهم على تكوين وتأهيل مهنيين يسمحان لهم بالالتحاق بالمؤسسات الصحية.
وتشير المعطيات التي أوردتها المنظمة الديمقراطية للشغل والمنظمة الديمقراطية للصحة إلى أن الخصاص الفعلي في صفوف الممرضين والممرضات والقابلات وتقنيي وتقنيات الصحة يتجاوز 30 ألف منصب، معتبرتين أن هذا العجز المتراكم لا يمكن معالجته من خلال المناصب المالية السنوية المحدودة، وإنما يستدعي خطة استثنائية ومتعددة السنوات لضمان سد الخصاص وتوفير الحد الأدنى من التأطير الصحي الضروري.
وفي المقابل، ينتظر حوالي 8500 خريج وخريجة من معاهد التمريض وتقنيات الصحة فرصة للإدماج المهني، من بينهم حوالي 7000 خريج جديد برسم سنة 2026، ونحو 1500 خريج من السنوات السابقة، وهو ما تعتبره المنظمتان مفارقة واضحة بين حاجة المنظومة الصحية إلى آلاف الأطر وبين وجود كفاءات وطنية مؤهلة تنتظر فرصة التوظيف.
ولا تتوقف الإشكالية، بحسب البلاغ، عند مستوى الخصاص الحالي، إذ ستؤدي الإحالات على التقاعد خلال سنتي 2025 و2026 إلى مغادرة حوالي 2668 موظفاً خلال السنتين، بمعدل يفوق 1300 موظف سنوياً، الأمر الذي من شأنه زيادة الضغط على الموارد البشرية الموجودة، والتأثير على جودة الخدمات الصحية وظروف العمل، خصوصاً داخل المؤسسات التي تعاني أصلاً من نقص حاد في الأطر.
وأكدت المنظمتان أن أي سياسة ناجعة في مجال الموارد البشرية الصحية لا ينبغي أن تقتصر على تغطية المناصب الشاغرة، بل يتعين أن تستبق أيضاً الإحالات على التقاعد، والتوسع في العرض الصحي، وارتفاع الطلب على الخدمات الصحية، والتحولات الديموغرافية والوبائية، إضافة إلى الحاجيات الجديدة الناتجة عن إصلاح المنظومة الصحية وحاجيات المجموعات الصحية الترابية والوكالات.
وفي المقابل، سجلت المنظمة الديمقراطية للشغل والمنظمة الديمقراطية للصحة المجهودات التي تبذلها مديرية الموارد البشرية بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق برفع الطاقة الاستيعابية لمعاهد التكوين وإعداد أطر صحية لتلبية الحاجيات المستقبلية، فضلاً عن توظيف عدد مهم من المناصب المحدثة في قوانين المالية السابقة وتوزيعها على مختلف المجالات، إلى جانب المناصب المرتبطة بالمراكز الاستشفائية الجامعية.
غير أن المنظمتين نبهتا الحكومة، باعتبارها الجهة التي تتولى قرار تحديد المناصب المالية السنوية، إلى أن توسيع منظومة التكوين من دون ضمان الإدماج المهني للخريجين يظل استثماراً غير مكتمل، وقد يتحول إلى هدر للمال العام والكفاءات الوطنية إذا لم تتم ملاءمة أعداد الخريجين سنوياً مع حاجيات المنظومة الصحية وسوق الشغل في القطاع.
وشدد البلاغ على أن المؤسسات الاستشفائية لا يمكن أن تؤدي وظائفها اعتماداً على البنايات والتجهيزات فقط، بل تحتاج إلى الأطباء والممرضين والممرضات والقابلات وتقنيي الصحة وباقي مهنيي الصحة، إلى جانب الأطر الإدارية والتقنية الضرورية لضمان حسن سير المرافق الصحية.
وترى المنظمتان أنه من غير المقبول تخصيص مليارات الدراهم لبناء وتجهيز مستشفيات من الجيل الثالث ومراكز صحية جديدة، من دون توفير الموارد البشرية اللازمة لتشغيلها بكامل طاقتها وضمان استمرارية الخدمات التي تقدمها للمواطنين.
وتبرز هذه المفارقة، بحسب البلاغ، بشكل واضح مع المشاريع الاستشفائية الكبرى، وفي مقدمتها المشروع الجديد للمستشفى الجامعي ابن سينا بالرباط، الذي تصل طاقته الاستيعابية إلى 1044 سريراً، فضلاً عن مشاريع توسيع العرض الصحي بمختلف جهات المملكة.
وتعتبر المنظمتان أن كل سرير جديد، وكل مصلحة جديدة، وكل مؤسسة صحية جديدة، تفرض بالضرورة حاجة إضافية إلى الممرضين والممرضات والقابلات وتقنيي وتقنيات الصحة وباقي الموارد البشرية المؤهلة، بما يضمن جودة الخدمات واستمراريتها.
وحذرت المنظمة الديمقراطية للشغل والمنظمة الديمقراطية للصحة من أن استمرار آلاف الخريجين في وضعية انتظار وبطالة لا يمثل فقط مشكلة اجتماعية ومهنية، وإنما يشكل كذلك خسارة مباشرة للمنظومة الصحية الوطنية، خصوصاً أن الابتعاد عن الممارسة المهنية لفترات طويلة يمكن أن يؤدي إلى تراجع المهارات التطبيقية لدى الخريجين.
وأشارت المنظمتان إلى أن الدولة تستثمر موارد مالية وبشرية مهمة في تكوين هذه الكفاءات، معتبرتين أن استمرار البطالة وعدم وضوح آفاق الإدماج المهني قد يدفع جزءاً منها إلى الهجرة نحو الخارج بحثاً عن فرص مهنية أفضل، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من خصاص كبير في الموارد البشرية الصحية.
وبحسب البلاغ، فإن المفارقة الأكثر خطورة تتمثل في تكوين كفاءات وطنية بأموال عمومية، ثم فقدان جزء منها بسبب غياب فرص الإدماج والعمل، وهو ما يستدعي، وفق المنظمتين، مراجعة مقاربة التخطيط للموارد البشرية الصحية وربط التكوين بالتوظيف والحاجيات الفعلية للمنظومة.
وطالبت المنظمة الديمقراطية للشغل والمنظمة الديمقراطية للصحة الحكومة بالرفع الملموس والاستثنائي من عدد المناصب المالية المخصصة لقطاع الصحة ضمن قانون المالية لسنة 2027، بما يتناسب مع حجم الخصاص المتراكم والحاجيات الحالية والمستقبلية للمنظومة الصحية.
كما دعتا إلى الإسراع بإدماج وتوظيف جميع الخريجين العاطلين من الممرضين والممرضات والقابلات وتقنيي وتقنيات الصحة بمختلف تخصصاتهم، والاستفادة من هذه الكفاءات الوطنية الجاهزة للعمل.
وطالبت المنظمتان أيضاً بوضع مخطط وطني متعدد السنوات للموارد البشرية الصحية إلى أفق سنة 2030، يأخذ بعين الاعتبار الخصاص المتراكم، والإحالات على التقاعد، والتوسع في العرض الصحي، والحاجيات الجديدة للمنظومة الصحية.
كما شددتا على ضرورة ربط إحداث المناصب المالية بالحاجيات الفعلية لكل مجموعة صحية ترابية ولكل مؤسسة صحية، وليس فقط بالسقف الإجمالي للمناصب المحدد ضمن قانون المالية.
وفي السياق ذاته، دعتا إلى إرساء آلية دائمة للتنسيق بين وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة الاقتصاد والمالية والقطاعات المكلفة بالتعليم العالي والتكوين المهني، بهدف ملاءمة أعداد الخريجين وتخصصاتهم مع الحاجيات الفعلية والمتوقعة لسوق الشغل الصحي.
وطالبت المنظمتان كذلك باعتماد نظام وطني استشرافي لتخطيط الموارد البشرية الصحية، يحدد حاجيات كل تخصص صحي على مدى عشر سنوات، ويراعي التطورات الديموغرافية والوبائية والتكنولوجية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن توسع البنيات الصحية.
وشدد البلاغ على ضرورة اعتماد قاعدة واضحة في التخطيط الصحي، مفادها أن كل توسع في البنيات والتجهيزات الصحية ينبغي أن يواكبه، بالتوازي، توفير الموارد البشرية والاعتمادات اللازمة للتشغيل والتوظيف.
كما دعت المنظمة الديمقراطية للشغل والمنظمة الديمقراطية للصحة إلى اعتبار الاستثمار في الموارد البشرية الصحية استثماراً استراتيجياً في الأمن الصحي الوطني، وليس مجرد نفقة إضافية في الميزانية، بالنظر إلى ارتباط جودة الخدمات الصحية بتوفر الكفاءات البشرية الكافية والمؤهلة والمحفزة والمستقرة.
واعتبرت المنظمتان أن قانون المالية لسنة 2027 يشكل فرصة لتصحيح الاختلال القائم بين الاستثمار في البنيات والاستثمار في الإنسان، ووضع حد للمفارقة المتمثلة في وجود مؤسسات صحية جديدة أو موسعة من جهة، وخصاص كبير في الأطر الصحية من جهة أخرى.
وأكدتا أن الممرضين والممرضات والقابلات وتقنيي وتقنيات الصحة يمثلون كفاءات وطنية جاهزة للعمل، ولا تنتظر سوى فرصة عادلة للإدماج المهني من أجل خدمة المواطن والوطن.
كما جددت المنظمتان التأكيد على أن إصلاح المنظومة الصحية وتعميم الحق في الصحة وإنجاح إصلاح الحماية الاجتماعية تظل رهينة بتوفير موارد بشرية كافية ومؤهلة ومستقرة ومحفزة وعادلة التوزيع بين مختلف جهات المملكة.
ودعت المنظمة الديمقراطية للشغل والمنظمة الديمقراطية للصحة الحكومة، في ختام بلاغهما، إلى جعل توظيف وتأهيل وتثمين الموارد البشرية الصحية أولوية وطنية ضمن قانون المالية لسنة 2027، والاستجابة العاجلة لمطالب الخريجين وحقهم في الإدماج، إلى جانب الارتقاء بأوضاع الأسرة الصحية وتحسين ظروف العمل والأوضاع المادية والمهنية لمهنيي القطاع، بما يحفظ كرامتهم ويعزز قدرتهم على أداء رسالتهم الإنسانية والمهنية، ويضمن الأمن الصحي للمواطنين.