حماة المستهلك يطالبون بوضع حد لمزاعم ربط تسليم جثامين المتوفين بالمستحقات المالية

الكاتب : الجريدة24

25 August 2026 - 09:00
الخط :

طالب المرصد المغربي لحماية المستهلك بفتح تحقيق عاجل في واقعة متداولة بمدينة أكادير، تتعلق بوفاة شخص داخل مصحة خاصة، وسط مزاعم بشأن مطالبة أسرته بأداء مبلغ مالي مرتفع، وربط تسليم جثمان المتوفى بتسوية المستحقات المالية للمؤسسة الصحية.

وأوضح المرصد، في بلاغ له، أنه يتابع الواقعة بـ"قلق واستنكار شديدين"، مؤكداً أن المعطيات المتداولة تظل، إلى حين انتهاء التحقيقات الرسمية، في إطار مزاعم ووقائع تحتاج إلى التثبت والتحقيق والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.

واعتبر المرصد أن خطورة القضية لا تسمح بالتعامل معها باعتبارها مجرد خلاف تجاري أو نزاع عادي حول فاتورة استشفائية، مشدداً على أن الأمر يتعلق بجثمان إنسان وأسرة فقدت أحد أفرادها، وبحرمة الموت وكرامة الإنسان، في إطار علاقة صحية يفترض أن يكون محورها الإنسان قبل المال.

وأكد المرصد أن الخلاف بشأن الفاتورة، في حال ثبوت وجوده، يملك مساراته القانونية والقضائية والتعاقدية، ويمكن للمؤسسة الصحية المطالبة بمستحقاتها عبر الوسائل التي يتيحها القانون، غير أنه شدد على أن تحويل جثمان المتوفى إلى وسيلة ضغط على أسرته من أجل تحصيل دين أو مستحقات مالية، إذا ثبت وقوعه، سيكون أمراً بالغ الخطورة ويستوجب التحقق العاجل من أساسه القانوني والتنظيمي والأخلاقي.

وشدد البلاغ على أن لحظة الموت، بما تحمله من صدمة وانكسار إنساني، لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لإخضاع الأسرة لضغط مالي إضافي أو وضعها أمام الأمر الواقع، مؤكداً رفض المرصد من حيث المبدأ أن تتحول علاقة الاستشفاء إلى علاقة مادية مجردة تختزل حياة الإنسان وكرامته في قدرة أسرته على الأداء.

ومن زاوية حماية المستهلك، يرى المرصد أن القضية تتجاوز مجرد فاتورة مالية، مذكراً بأن القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك لا يقتصر على حماية المستهلك من السلع المعيبة، وإنما يشمل حماية حقوقه الاقتصادية، وحقه في الإعلام، وحمايته من الشروط التعسفية، إلى جانب ضمانات أساسية تؤطر علاقة الاستهلاك.

وأشار المرصد إلى أن الخدمات الصحية، عندما تقدم داخل مؤسسات خاصة وبمقابل مالي، لا يمكن أن تكون خارج دائرة المسؤولية المرتبطة بالشفافية في الأسعار، والإعلام المسبق، ووضوح شروط التعاقد والفوترة، واحترام الحقوق الأساسية للمستفيدين.

كما استند البلاغ إلى القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، الذي يؤكد، وفق المرصد، ضرورة احترام حقوق الإنسان وكرامة المرضى وخصوصيتهم، فضلاً عن خضوع المؤسسات الصحية، بما فيها المؤسسات الخاصة، لمراقبة الدولة وفق التشريعات والأنظمة الجاري بها العمل.

وبناء على ذلك، اعتبر المرصد أن حماية المستهلك في المجال الصحي لا تتوقف عند باب المصحة ولا تنتهي بمجرد وفاة المريض، مشيراً إلى أن المتوفى، وإن لم يعد مستهلكاً بالمعنى القانوني للعلاقة الاستهلاكية، فإن كرامته وحرمة جثمانه ليستا موضوعاً قابلاً للتفاوض.

وتساءل المرصد عن الكيفية التي يمكن أن تتطور بها العلاقة عندما يتحول المريض من شخص يحتاج إلى الرعاية إلى "ملف مالي"، ثم تصبح أسرته، بعد وفاته، طرفاً مديناً لا يملك، وفق المزاعم المتداولة، القدرة على استلام جثمان فقيدها.

وأكد أن هذا المنطق مرفوض بشكل قاطع، موضحاً أن المستهلك في المجال الصحي ليس مجرد رقم في فاتورة، وأن المريض ليس مجرد ملف إداري، كما أن المتوفى لا يمكن اختزاله في "رصيد غير مؤدى".

وأشار المرصد إلى أن تسليم الجثمان وما يرتبط به من إجراءات قانونية وصحية وإدارية يجب أن يخضع للقواعد المنظمة لذلك، لا أن يتحول إلى أداة للضغط أو المساومة المالية.

وفي السياق ذاته، عبّر المرصد عن قلقه من احتمال ألا تكون الواقعة المتداولة في أكادير حالة معزولة، مذكراً بأن وسائل إعلام مغربية سبق أن نشرت، خلال السنوات الماضية، شهادات لأسر تحدثت عن مطالب مالية مرتفعة وشيكات ضمان، وعن مطالبة بعض الأسر بتسوية مستحقات مالية قبل تسلم جثامين ذويها المتوفين داخل مصحات خاصة.

كما أشار إلى تقارير صحفية تناولت ممارسات أخرى مرتبطة بالتسبيقات والضمانات وارتفاع تكاليف بعض الخدمات الاستشفائية، معتبراً أن تكرار مثل هذه المعطيات، إذا ثبتت صحتها، يستدعي الانتقال من معالجة الحالات الفردية إلى فتح نقاش وطني جدي حول حقوق المستهلك داخل القطاع الصحي الخاص.

وأكد المرصد أنه لا يسعى إلى "شيطنة" القطاع الصحي الخاص ولا يضع جميع المصحات في سلة واحدة، مشدداً على أن المصحات الخاصة تشكل مكوناً مهماً من المنظومة الصحية الوطنية، وتضطلع بدور أساسي في استقبال المرضى وتقديم الخدمات الصحية.

غير أن المرصد اعتبر أن اتساع هذا الدور يجعل المراقبة والمساءلة والشفافية أكثر ضرورة، لا أقل، داعياً إلى تعزيز حماية المرضى والمستهلكين، وضمان وضوح الأسعار، ومراقبة الفوترة، والتصدي لأي ممارسات قد تستغل هشاشة المرضى أو أسرهم.

وطالب المرصد المغربي لحماية المستهلك بفتح تحقيق عاجل ومستقل بشأن الواقعة المتداولة في مدينة أكادير، والتحقق بدقة من ظروف وفاة الشخص المعني، وحقيقة المبالغ المطالب بها، وطبيعة الفاتورة، ومدى وجود أي ربط بين الأداء المالي وتسليم الجثمان.

كما دعا إلى التحقق من الأساس القانوني والتنظيمي لأي إجراء يقضي بعدم تسليم جثمان متوفى بسبب وجود مستحقات مالية غير مؤداة، إلى جانب فتح بحث أوسع بشأن الشكايات السابقة التي تتحدث عن ممارسات مماثلة داخل بعض المصحات الخاصة، وعدم الاكتفاء بمعالجة كل حالة باعتبارها نزاعاً فردياً منفصلاً.

وطالب المرصد كذلك بإخضاع فواتير المصحات الخاصة لمزيد من الشفافية والمراقبة، بما يضمن معرفة المريض أو أسرته، منذ البداية، بتكاليف الخدمات وأسعارها وشروط تحملها، والتصدي لأي شروط تعاقدية أو ممارسات يمكن أن تشكل استغلالاً لوضعية المريض أو أسرته، أو تضع المستهلك أمام أمر واقع لا يستطيع رفضه في ظروف الاستعجال أو الهشاشة.

كما دعا إلى وضع آلية واضحة ومستعجلة لاستقبال شكايات المرضى وأسر المتوفين ضد المؤسسات الصحية الخاصة، مع ضمان سرعة التدخل وعدم ترك الأسر تواجه المؤسسات الصحية بمفردها في لحظات الأزمة، فضلاً عن إعمال المراقبة القانونية والإدارية والصحية على المؤسسات التي تثبت في حقها أي ممارسات مخالفة للقوانين أو للضوابط المهنية والأخلاقية.

ودعا المرصد، في السياق ذاته، إلى فتح نقاش وطني حول حماية المستهلك الصحي، بمشاركة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والهيئات المهنية وجمعيات حماية المستهلك والفاعلين في القطاع الصحي الخاص، بهدف وضع ضمانات أكثر وضوحاً لحماية المرضى وذويهم.

وأكد المرصد المغربي لحماية المستهلك أنه لا يصدر حكماً مسبقاً على أي مؤسسة، ولا يتهم أي جهة دون تحقيق، لكنه شدد في المقابل على أنه لن يصمت عندما يتعلق الأمر بكرامة المواطن وحقوقه الأساسية.

وختم المرصد موقفه بالتأكيد على أن القطاع الصحي ليس مجالاً عادياً للبيع والشراء، وأن المريض ليس زبوناً عادياً، والأسرة التي تفقد أحد أفرادها ليست طرفاً تجارياً عادياً، كما أن جثمان المتوفى لا ينبغي أن يتحول إلى ضمانة مالية.

وشدد على أن من حق أي مؤسسة صحية الحصول على مستحقاتها بالطرق القانونية، غير أن تحصيل هذه المستحقات، وفق موقفه، يجب أن يتم عبر القانون، لا من خلال الضغط على الأسر في أكثر لحظات حياتها قسوة.

واعتبر المرصد أن واقعة أكادير، في حال ثبوت تفاصيلها، ينبغي ألا تنتهي بمجرد تسوية مالية بين أسرة ومصحة، بل يجب أن تشكل مناسبة لفتح ملف وطني حول حماية المستهلك داخل المصحات الخاصة، بما يشمل الأسعار والفوترة وشيكات الضمان والتسبيقات، إلى جانب احترام كرامة المريض والمتوفى وحقوق أسرته.

آخر الأخبار