من "Pegasus" إلى "Graphite" الوصفة الجاهزة لتسميم العلاقات المغربية الإسبانية
سمير الحيفوفي
كلما ارتفعت حدة التوتر بين المملكة المغرب وإسبانيا، انخرطت وسائل إعلام هناك موالية لأحزاب اليمين واليمين المتطرف، ولمن يدفع لها خارج حدود إسبانيا، في إعادة تدوير مزاعم التجسس وتقديم الشكوك كما لو كانت وقائع ثابتة ومكتملة الأركان.
وفي تقعيد لهذا التوجه المقزز، اختارت صحيفة "The Objective" إخراج اسم جديد من قفة الاتهامات، وهو برمجية "Graphite" الإسرائيلية، التي قدمتها باعتبارها "توأم خفي" لبرمجية "Pegasus"، لكنها أخطر لأنها لا تحتاج إلى التثبيت.
وادعت الصحيفة الإسبانية، في مقال لها نشر أمس الأحد 20 شتنبر 2026، أن أجهزة الاستخبارات الإسبانية تشتبه في حصول المغرب على هذه البرمجية المتطورة، وبلا هوادة ربطت ذلك بإمكانية استخدامها في مراقبة هواتف مسؤولين إسبان.
اللافت، أن التقرير ورغم خطورة عنوانه وما يحمله من إيحاءات، لم يقدم وثيقة رسمية أو تقريرا تقنيا أو نتيجة فحص رقمي تثبت أن المغرب اقتنى برمجية "Graphite" أو شغلها ضد أهداف إسبانية.
ولأن الوصفة الإعلامية تظل واحدة وجاهزة، فقد جرى تضخيم الاشتباه في المغرب، وإخفاء غياب الأدلة خلف عبارات استخباراتية فضفاضة، من أجل تقديم المغرب في صورة الجار الذي ينبغي الخوف منه، والذي لا يتنفس إلا بالتجسس على جيرانه.
وساقت "The Objective" تصريحات منسوبة إلى مصادر أمنية مجهولة تتحدث عن "مخاوف" و"اشتباه" و"احتمال"، مع صياغة عنوان يوحي بأن المغرب يستخدم بالفعل البرمجية سعيا وراء إلباس الكذب لبوس الحقيقة.
ومنذ تفجر قضية "Pegasus" تحول اسم المغرب داخل جزء من الإعلام الإسباني، الموالي لأعدائه، إلى جواب جاهز عن كل اختراق إلكتروني أو تسريب أمني، حتى عندما تغيب الأدلة التي تسمح بإسناد العملية إلى جهة محددة.
ورغم تعدد التحقيقات السياسية والقضائية والتقنية التي أعقبت اختراق هاتفي "بيدرو سانشيز" رئيس الحكومة الإسبانية ووزراء في حكومته، لم تعلن السلطات الإسبانية بصورة رسمية ونهائية أن المغرب هو الجهة التي نفذت تلك العمليات.
وبدورها كانت شركة "NSO Group"، الإسرائيلية والمطورة لبرمجية "Pegasus" فندت كل المزاعم حول تعاملها مع السلطات المغربية لتحوزها، لكن لأن المغرب يبيع أكثر في إسبانيا فلا تزال الخرق البالية تعتمد عليه لرتق بكارتها.
وكما أن المغرب نفى رسميا اقتناء برمجية "Pegasus" أو استخدامها للتجسس على مسؤولين وصحفيين وشخصيات أجنبية، فقد طالب الجهات التي وجهت إليه الاتهامات بتقديم أدلتها، مثلما سلك المسار القضائي في مواجهة عدد من المنابر التي نشرت تلك الافتراءات لتشويه صورته عمدا.
وبعدما فشلت مساعي خصوم المملكة، على ظهر "Pegasus" ابتدعت "The Objective" ادعاءات تتعلق ببرمجية "Graphite" باعتبارها التهديد الجديد القادم من الجار الجنوبي.
وادعت الصحيفة زورا أن اتصالات جرت بين المغرب وشركة "Paragon Solutions" الإسرائيلية للحصول على البرمجية التي تتيح التجسس على هواتف الغير دون تدخل منهم.
ومع ذلك تقر الصحيفة نفسها بأن المغرب لا يستخدم البرمجية رسميا، وأنه لا يوجد تأكيد علني لحصوله عليها، كما لا تقدم إفادة من الشركة المطورة، أو الحكومة الإسرائيلية، أو السلطات الإسبانية تثبت إبرام صفقة مع الرباط.
لكن طريقة معالجة الموضوع تسلط الضوء على السعي الحثيث من قبل خصوم المغرب بغاية إعادة إنتاج المملكة الشريفة باعتبارها تهديدا دائما لإسبانيا.
إنها تجسيد صريح لوصفة تسميم الأجواء بين بلدين جارين، عبر صناعة الإثارة من جهة وخدمة أجندات اليمين المتطرف، لكنها لا تخدم الحقيقة ولا العلاقات وحسن الجوار القائم بين الرباط ومدريد.