"فرانس 24" وفقدان الذاكرة حول "ملفات بريداتور"
سمير الحيفوفي
إنه الملل حد الضجر ذلك الذي تبعث عليه، المقالات الانتقائية لبعض وسائل الإعلام الفرنسية، مثل "فرانس 24" التي تتهافت على كل المواضيع التي تهم المغرب لتقتات عليها، مثلما حدث وهي تنقض على تقرير جديد لـ"منظمة العفو الدولية" يستند إلى شهادات هامشية، بخصوص قضية برمجية "بيغاسوس".
ومن جراء تكرارها المعيب لنفس المقالات المكتوبة من محبرة الغل والحقد تجاه المملكة، يتجاوز الأمر فاصل الشعور الوجداني، إلى التساؤل حول الانتقائية التي تتحراها مثلا "فرانس 24"، ليجعلها تهرف بما لا تعرف في قضية "بيغاسوس"، وتغض الطرف عن اللطخات التي تشين سجل فرنسا من قبيل "ملفات بريداتور" (Predator Files).
لقد ارتأت "فرانس 24" من جديد الاستناد على تقرير للفرع البلجيكي لـ"Amnesty" حول برمجية "بيغاسوس"، وراحت تهذي استنادا إلى شهادات أشخاص مشبوهين، بينما ارتدت نظارة سوداء لتحجب عنها شمس الحقيقة التي تفيد بأنه لم يثبت يوما أن المغرب تحوَّز البرمجية التي صممتها شركة "NSO" الإسرائيلية.
وكما أن الشركة المصممة للبرمجية نفت نفيا قاطعا تعاملها يوما مع المملكة المغربية وأجهزتها، وكما أن التحقيقات التي بوشرت في فرنسا وإسبانيا وأوربيا لم تفض لما يدين المغرب، الذي اختار اللجوء إلى القضاء للاقتصاص من المقاربة الممنهجة لتلطيخ صورته، لم تلتفت "فرانس 24" لكل هذا، وضربت عنه صفحا، لأن غايتها الواضحة استهداف المغرب.
وبعيدا عن تدبيج وصياغة المقالات ارتكازا على التقرير، يبدو جليا أن ما يثار حول المغرب في قضية "بيغاسوس" ليس غير حملة يشنها خصوم المغرب، بأهداف محددة، إذ يتعالى الزعيق في تنسيق رديء، لترويج الأكاذيب وتلفيق التهم بناء على منظمة يدري الجميع أنها تخدم أهواء مموليها، ومن يدفع أكثر له عندها أكبر حظوة.
ولم تكلف "فرانس 24" نفسها التزام ولو نزر يسير من الموضوعية والمصداقية وهي تفتري المقالات نقلا عن أصوات نشاز، لا يهمها غير طعن الوطن في خاصرته بشهادات مهزوزة وهشة يحولونها إلى سكاكين مسمومة ومشحوذة، وإذ لا تهم المهنية متى تعلق الأمر بالمغرب فإن التهليل لهذه الشهادات وللتقرير الرديء يجد له صدى في قلب القناة المناوئة.
لكن كيف الحال، إن كانت "فرانس 24" تحتمي بالصمت متى ارتبط الأمر بـ"ملفات بريداتور" التي هزت عالم التجسس، وهي البرمجية التي تحصلت عليها أنظمة شمولية وديكتاتورية من الدولة الفرنسية، لا لشيء سوى للتجسس على معارضيها ووضع مواطنيها تحت المجهر.
أوليس في القضية ما يثير "فرانس 24"؟ ثم ألم تقد التحقيقات توا إلى تورط باريس في تعميم برمجية التجسس هذه؟ أم أن فضيحة بمثل هكذا حجم لا تستحق الالتفات إليها بقدر ما تتطلب المراوغة والصمت حيث لا يجوز ذلك، بينما تشرع الأفواه عندما يهم الأمر المغرب ولو عبر تصريف الادعاءات والمزاعم التي تتهشم أمام صخرة الحقيقة.
إنها انتقائية مقيتة وازدواجية قميئة في اعتماد المعايير، وإنها لحملة تنطلق من إدانة معدة سلفا ضد المغرب الذي يبدو أنه يزعج كثيرا الدولة العميقة في فرنسا، وأخباره تجلب الكثير من المتابعين والقراء، وما دون ذلك لا يهم أبدا منح مسافة من كل ما يروج حوله من افتراءات ولتذهب أبجديات وأخلاقيات الصحافة إلى الجحيم.