لا خطوط حمراء.. هل يطوي الأحرار صفحة الخلاف مع أحزاب المعارضة؟
تتجه الأنظار إلى ملامح التنسيق المرتقب بين مكونات المعارضة داخل مجلس النواب، في ظل خريطة سياسية جديدة تضع أحزاباً ذات مرجعيات وتجارب حكومية متباينة أمام اختبار تدبير الاختلاف وتوحيد المواقف بشأن القضايا الوطنية.
ويبرز في هذا السياق احتمال تقارب حزب العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، بعدما ظلت العلاقة بين الطرفين مطبوعة خلال السنوات الماضية بتجاذبات سياسية وتبادل للانتقادات، خصوصاً خلال الولاية الحكومية السابقة التي قادها الأحرار.
وتكشف الاصطفافات السياسية الجديدة عن وجود 4 مكونات رئيسية خارج الأغلبية الحكومية، هي التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية والحركة الشعبية وتحالف اليسار، في مقابل تحالف حكومي يضم، وفق المعطيات الواردة، أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.
ويعيد هذا التوزيع طرح سؤال قدرة المعارضة على بناء أرضية مشتركة تتيح لها ممارسة الرقابة البرلمانية بفاعلية، من دون أن يؤدي اختلاف المرجعيات والمواقف إلى إضعاف حضورها داخل المؤسسة التشريعية.
وفي مؤشر على انفتاح محتمل على التنسيق بين مكونات المعارضة، تحدث محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عن إمكانية التعاون مع حزب العدالة والتنمية والحركة الشعبية وبقية الأطراف التي اختارت التموقع في المعارضة، موضحاً أن هذا التنسيق قد يتطور خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار وجود اختلافات جوهرية بشأن عدد من القضايا.
وأكد شوكي في تصريحات صحفية عقب جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب، الثلاثاء، لتسلط الضوء على توجه حزبه نحو تدبير المرحلة الجديدة بمنطق العمل البرلماني المشترك، مع الاحتفاظ باستقلالية المواقف السياسية.
وشدد شوكي على أن التنسيق المرتقب لا ينبغي أن تصاحبه خطوط حمراء مسبقة، باستثناء القضايا التي تبرز بشأنها اختلافات جوهرية بين الأطراف المعنية.
ويعكس هذا الموقف استعداداً مبدئياً لفتح قنوات التواصل مع باقي مكونات المعارضة، من دون أن يشكل إعلاناً عن تحالف سياسي قائم أو اتفاق نهائي حول القضايا التي ستطرح خلال الولاية التشريعية الجديدة.
ويضع هذا التصريح حزب التجمع الوطني للأحرار أمام مرحلة مختلفة عن موقعه السابق في قيادة الحكومة، إذ سيكون مطالباً بإعادة صياغة أدوات اشتغاله السياسي والبرلماني وفق موقعه الجديد.
كما يتيح الحديث عن التنسيق مع العدالة والتنمية إمكانية تجاوز بعض مظاهر التوتر التي طبعت العلاقة بين الحزبين، خصوصاً أن اختلاف موقعيهما خلال التجربة الحكومية السابقة كان من أبرز العوامل التي غذت التباعد بينهما.
وأكد شوكي أن حزبه يتجه نحو ممارسة معارضة وصفها بالمجدية، تقوم على تقديم البدائل وعدم رفض المبادرات لمجرد الاختلاف مع الجهة التي تقف وراءها.
ويرتبط هذا التصور، بحسب تصريحاته، بالدفاع عن المصالح الوطنية والمساهمة في استكمال الأوراش التي تحتاجها البلاد، إلى جانب اتخاذ مواقف سياسية من مدى نجاعة السياسات العمومية ومن القضايا المجتمعية التي ستطرح للنقاش خلال الولاية التشريعية المقبلة.
في المقابل، سبق لحزب العدالة والتنمية أن أبدى استعداداً للتنسيق مع التجمع الوطني للأحرار في حال استقراره على موقع المعارضة.
وقد عبرت أمينة ماء العينين، النائبة البرلمانية وعضو الأمانة العامة للحزب، عن هذا التوجه خلال مشاركتها في برنامج تلفزيوني، معتبرة أن الخلاف السياسي لا يستدعي بالضرورة القطيعة، وأن العمل داخل المؤسسة التشريعية يفرض تفاعلاً بين مختلف الفرقاء، سواء تعلق الأمر بالمراقبة أو النقد أو مناقشة السياسات العمومية.
ويشير تقاطع المواقف المعلنة من الطرفين إلى وجود مساحة ممكنة للتعاون البرلماني، غير أن تحويل هذه الإشارات إلى تنسيق عملي يظل مرتبطاً بطبيعة الملفات المطروحة ومدى استعداد كل حزب للتوافق بشأنها.
ويكتسي هذا الاحتمال أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقة التي جمعت الحزبين خلال السنوات الأخيرة، عندما كان العدالة والتنمية في موقع المعارضة، فيما تولى التجمع الوطني للأحرار قيادة الحكومة.
وقد شهدت تلك المرحلة خلافات سياسية وانتقادات متبادلة بشأن تدبير عدد من الملفات، ما يجعل أي تقارب جديد بينهما محكوماً بمدى القدرة على الفصل بين الحسابات المرتبطة بالتجربة السابقة ومتطلبات المرحلة الحالية.