النقابات تضغط والوزراء يتحركون.. اجتماعات مرتقبة لتفادي اتساع رقعة الاحتجاج
تتجه قطاعات وزارية إلى إعادة فتح قنوات الحوار مع النقابات المهنية، في ظل تصاعد المطالب الاجتماعية والمهنية وتلويح عدد من الهيئات النقابية بخوض أشكال احتجاجية خلال الفترة المقبلة، للضغط من أجل تسوية ملفات عالقة وتحسين أوضاع العاملين في قطاعات حيوية، وسط ترقب لمدى قدرة الحكومة الجديدة، التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، على احتواء التوترات الاجتماعية والاستجابة للمطالب المطروحة.
وتأتي هذه التحركات في وقت كثفت فيه مركزيات نقابية اتصالاتها ومراسلاتها بشأن مجموعة من الملفات التي تعتبرها أولوية مستعجلة، مطالبة بإيجاد حلول ملموسة تتجاوز الوعود إلى إجراءات عملية تضمن الاستقرار المهني وتحمي الحقوق الاجتماعية، فيما بدأت مؤشرات الانفتاح على الحوار تظهر داخل عدد من القطاعات الوزارية، في محاولة لاحتواء الاحتقان وتفادي انتقال الخلافات إلى الشارع.
وفي قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين والتأهيل، عبّر الوزير محمد نبيل بنعبد الله عن استعداده لفتح قنوات التواصل مع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، تمهيدا لمناقشة الملفات المطروحة على طاولة الحوار.
ومن المرتقب أن تنطلق، ابتداء من الأسبوع المقبل، لقاءات تجمع مسؤولي الوزارة بممثلي النقابات، بهدف عرض القضايا العالقة والتداول بشأن منهجية تدبير الحوار وآليات معالجة المطالب المهنية والاجتماعية، كإجراء لتفادي اتساع رقعة الاحتجاج.
ويمثل هذا التوجه اختبارا مبكرا للعلاقة بين الوزارة والشركاء الاجتماعيين، خصوصا في ظل استمرار مطالب الفئات العاملة بالقطاع بضرورة تحسين ظروف العمل وتسريع معالجة الملفات التي تنتظر التسوية.
ويرتبط نجاح هذه اللقاءات، بحسب طبيعة الملفات المطروحة، بمدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من مرحلة عرض المطالب إلى تحديد إجراءات واضحة وآجال عملية لتنفيذ ما يمكن الاتفاق بشأنه.
وفي قطاع الصحة والحماية الاجتماعية، يتجه الوزير يونس بجيجو بدوره إلى برمجة لقاءات مع النقابات المهنية لبحث عدد من الملفات التي أثارت مطالب متكررة في صفوف العاملين، بالتزامن مع تصاعد خلافات مرتبطة بالأوضاع المهنية وشروط العمل داخل المؤسسات الصحية العمومية.
ويبرز ضمن هذه الملفات النزاع المتعلق بحراس الأمن الخاص الذين فقدوا مناصبهم في عدد من مستشفيات جهة فاس مكناس، على خلفية شروط مرتبطة بالمستوى الدراسي.
وفي هذا السياق، طالبت النقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، بإعادة الحراس المعنيين إلى مناصب عملهم، محذرة من تداعيات استمرار إبعادهم عن العمل على أوضاعهم الاجتماعية ومصادر دخل أسرهم. ووجه مكتبها الوطني مراسلة إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية بتاريخ 21 أكتوبر الجاري، دعا فيها إلى فتح حوار عاجل لإيجاد تسوية لهذا الملف، مع مراجعة القرار الوزاري المعني بما يضمن مراعاة الأوضاع المهنية القائمة.
وترتكز مطالب النقابة على ضرورة عدم تطبيق الشروط الجديدة بصورة تمس العاملين الذين راكموا سنوات من الخبرة داخل المؤسسات الصحية العمومية، معتبرة أن استمرارهم في أداء مهامهم طوال هذه المدة يفرض معالجة أوضاعهم بما يراعي حقوقهم المكتسبة واستقرارهم الاجتماعي.
كما شددت على أن تنظيم المهن وتحديد شروط الولوج إليها لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لإقصاء عاملين يعتمدون على هذه الوظائف لتأمين احتياجاتهم المعيشية، دون البحث عن حلول انتقالية تحفظ حقوقهم وتراعي خصوصية أوضاعهم.
وأكدت الهيئة النقابية أن الحراس المعنيين اكتسبوا خبرة ميدانية من خلال سنوات من العمل داخل المستشفيات، في ظروف مهنية تتطلب الانضباط وتحمل المسؤولية، مشيرة إلى أن فقدان الوظيفة بسبب شرط المستوى الدراسي يضعهم أمام مخاطر اجتماعية مباشرة.
ودعت الوزارة إلى التدخل لإعادتهم إلى عملهم، وفتح مفاوضات مع ممثليها للتوصل إلى تسوية منصفة، إلى جانب اعتماد تدابير تمنع تكرار حالات مماثلة مستقبلا.
ولم تستبعد النقابة الانتقال إلى خطوات احتجاجية أكثر تصعيدا في حال استمرار غياب التجاوب مع مطالبها، ملوحة بتنظيم وقفة احتجاجية وطنية مرفوقة باعتصام جزئي أمام مقر وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بالرباط.
وربطت الهيئة قرارها بشأن هذه الخطوات بمدى استجابة الوزارة لمطلب إعادة الحراس إلى مناصبهم وفتح حوار جدي بشأن وضعيتهم، مؤكدة في المقابل استعدادها للجلوس إلى طاولة المفاوضات في أقرب الآجال.
ويضع هذا الملف الوزارة أمام تحدي الموازنة بين تطبيق الشروط المنظمة للولوج إلى المهن وحماية الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشخاص قضوا سنوات في أداء مهامهم داخل المرافق العمومية.
وعلى مستوى قطاع التشغيل والحوار الاجتماعي، يبرز ملف العلاقات المهنية والإطار القانوني المنظم لها ضمن القضايا المطروحة أمام الوزير عبد الرحيم شهيد، الذي أبدى استعداده لفتح باب الحوار مع النقابات ومناقشة عدد من الملفات المرتبطة بأوضاع الشغيلة ومستقبل العلاقات بين الأطراف الاجتماعية.
وكان الوزير قد أشار، في وقت سابق، إلى أن مدونة الشغل والقانون المتعلق بالنقابات يشكلان من بين الأوراش المطروحة أمام القطاع، بالنظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتحديات المرتبطة بمستقبل الشغل.
وتكتسي هذه الأوراش أهمية خاصة في ظل مطالب النقابات بمراجعة عدد من القواعد المؤطرة للعلاقات المهنية وتعزيز آليات الحوار والتفاوض، بما يتيح معالجة الخلافات قبل تحولها إلى مواجهات اجتماعية.
وتتزامن هذه التحركات مع تطلع المركزيات النقابية إلى أن تتحول الدعوات الحكومية للحوار إلى مسار منتظم يفضي إلى نتائج قابلة للتنفيذ، بدل الاقتصار على لقاءات تشاورية لا تنهي الخلافات القائمة.