كل من تتبع مناقشات عرض البرنامج الحكومي بالبرلمان، ستذهب به ذاكرته مباشرة الى سجلات الحلقات الطلابية بالجامعة المغربية خلال العقود الماضية، وهذا تحول إيجابي لصالح المؤسسة التشريعية المغربية.
الحزب المتصدر للمشهد السياسي مطعم بشكل كبير بقيادات طلابية يسارية سابقة كان لها صولات بالساحة الطلابية المغربية.
نفس الشيء ينطبق على مكونات المعارضة التي صقلت مهاراتها السجالية في الحلقات الطلابية.
بخلاف الانطباع السلبي الأسبق الذي كان يميز جلسات البرلمان خلال الولاية التشريعية السابقة، فان الولاية الحالية ستعرف ارتفاع حدة السجال بين مكونات المعارضة وفرق الأغلبية.
ومن شان هذا العامل ان يسرع من دينامية العمل الحزبي بالمغرب، الذي لا شك سيصب في اتجاه رفع منسوب الثقة في العمل الحزبي، وليس تكريس العزوف الذي تسببت به اغلبية اخنوش السابقة.
صعود نخبة سياسية للبرلمان المغربي تلقت تكوينها السياسي عبر الحلقات الطلابية، هو عامل جيد يصب لصالح التجربة الحالية.
رأينا كيف وظفت السيدة رئيسة الحكومة فاطمة المنصوري تلك المهارات في الدفاع عن اطروحتها السياسية، وصد الهجومات عن حزبها السياسي المدبر بشكل رئيسي من قبل قيادات يسارية كان لها باع كبير في الساحة الطلابية.
ان دخول نخبة من خريجي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم) إلى البرلمان المغربي يحمل انعكاسات سياسية وثقافية وتشريعية بارزة على المشهد السياسي للبلاد.
فالحركة الطلابية تاريخياً شكّلت "المشتل الأساسي" لتخريج القيادات الحزبية والسياسية في المغرب، سواء في تيارات اليسار أو التيارات الإسلامية أو الوطنية.
تتميز النخب الأوطامية بخلفيتها الأكاديمية العالية، وهو ما ينسجم مع التحولات الأخيرة في البرلمان المغربي التي تشهد هيمنة متزايدة للجامعيين وتراجعاً لافتاً في نسب الأمية بين النواب.
باعتبارهم أبناء المدرسة العمومية والجامعة المغربية، يولي البرلمانيون ذوو الخلفية الأوطامية أولوية قصوى لقضايا التعليم.
البرلمانيون الذين مروا عبر فصائل "أوطم" يعيدون إنتاج جزء من الزخم النضالي داخل قبة البرلمان. يتجلى ذلك في:
خطاب سياسي حاد وواضح: يميل هؤلاء النواب إلى استخدام لغة نقدية قوية تجاه الحكومة، والابتعاد عن "المجاملات السياسية" التقليدية.
الارتباط بالقضايا الميدانية: يملكون حساسية عالية تجاه الحركات الاحتجاجية الشعبية والنقابية، وغالباً ما يكونون صوت الشارع داخل المؤسسات الرسمية.
نظراً لأن "أوطم" كانت ساحة للصراع والتعايش الفكري بين فصائل متعددة، فإن دخول هذه النخب يغذي الحركية السياسية داخل البرلمان:
تنوع المرجعيات: يساهمون في توجيه النقاش البرلماني بناءً على مرجعيات فكرية واضحة (يسارية تقدمية أو إسلامية محافظة) بدلاً من البراغماتية الانتخابية الصرفة.
قوة الترافع حول الحريات والأوراق الحقوقية: إعطاء زخم أكبر لملفات حقوق الإنسان، والحرية الأكاديمية، وحرية التعبير والممارسة النقابية.
يضع هذا الانتقال النخب الأوطامية أمام اختبار سياسي دقيق يُعرف بـ "مفارقة الالتزام والممارسة".
فعندما ينتقل المناضل الطلابي السابق من موقع الاحتجاج والنقد الجذري في الجامعة إلى موقع تشريع القوانين أو حتى تدبير الحقائب الوزارية والحكومية، يصبح مُطالباً بالتوفيق بين الشعارات التاريخية (كالمجالية والرفض المطلق لخيارات الدولة الاقتصادية) وبين إكراهات الميزانية، التحالفات الحزبية، وإدارة الشأن العام الحالية.