بعد سنوات من التعثر.. هل تنهي حكومة المنصوري أزمة النقل القروي؟
لا تزال إشكالية النقل غير المهيكل بالمناطق القروية والجبلية تفرض نفسها بقوة على أجندة النقاش العمومي، في ظل استمرار الصعوبات التي تواجهها الساكنة في التنقل، خصوصا بالمناطق الوعرة التي تتفاقم فيها مظاهر العزلة خلال فترات التساقطات المطرية والثلجية.
ولا تقتصر تداعيات هذا الوضع على مشقة التنقل اليومي، بل تمتد إلى صعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية، بما يجعل توفير نقل منظم وملائم للخصوصيات المجالية أحد التحديات المطروحة أمام السياسات العمومية الرامية إلى تقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
وأعاد هذا الملف إلى الواجهة النقاش بشأن سبل تنظيم النقل بالعالم القروي وتحسين شروط اشتغاله، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، حيث طُرحت آفاق تطوير النقل المزدوج والتدابير الكفيلة بالاستجابة لحاجيات المناطق القروية والجبلية.
وفي هذا السياق، تقدم فريق التجمع الوطني للأحرار بسؤال شفهي حول مستقبل هذا النمط من النقل، في ظل الحاجة إلى تعزيز الربط بين التجمعات السكنية والمراكز الحضرية، وتوفير وسائل تنقل تستجيب لخصوصية المناطق التي لا تتوفر على عرض كاف من خدمات النقل.
وفي معرض جوابه، كشف وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، أن الوزارة أعدت دراسة لتحديد حاجيات الأقاليم من النقل المزدوج بالعالم القروي، بشراكة مع مختلف القطاعات المتدخلة في المجال، موضحا أن نتائجها المرتقب صدورها قريبا ستتيح تحديد الاحتياجات وفق معطيات مرتبطة بالتنقل داخل الأحواض.
وشدد الوزير على ضرورة التمييز بين النقل بالمناطق القروية والنقل بالمجالات الجبلية، بالنظر إلى الاختلافات المرتبطة بالتضاريس وطبيعة المسالك وأنماط التنقل.
وفي موازاة إعداد الدراسة، كشف قيوح أن الوزارة منحت أكثر من 2000 رخصة للنقل المزدوج خلال السنتين الأخيرتين، في مؤشر على حجم التدخلات الرامية إلى توسيع هذا النمط من النقل.
غير أن أهمية هذه الحصيلة تطرح، في المقابل، مسألة مدى انعكاس عدد الرخص الممنوحة على تحسين التغطية الفعلية للمناطق القروية والجبلية، ومدى قدرة العرض المتاح على تلبية حاجيات السكان، خصوصا في المناطق التي تعرف صعوبات مستمرة في التنقل.
وفي هذا الإطار، أعلن المسؤول الحكومي اتخاذ إجراءات لتسريع معالجة طلبات الترخيص، بعدما كانت المساطر التي تتم على المستوى المركزي بالرباط تستغرق، بحسب توضيحاته، ما بين ستة أشهر وسنة.
وأوضح أن الوزارة التزمت بتقليص هذه المدة إلى 15 يوما كحد أقصى، في خطوة تستهدف الحد من التأخر الإداري وتيسير الإجراءات المرتبطة بإحداث خدمات جديدة للنقل المزدوج.
وأكد قيوح أن هذا التوجه دخل مرحلة التفعيل، من خلال تسريع معالجة الملفات المحالة من اللجان الإقليمية التي يرأسها العمال، واعتماد آلية تسمح بإرسال الطلبات والموافقة عليها دون انتظار المساطر المركزية الطويلة.
ويعكس هذا الإجراء توجها نحو إعادة تنظيم تدبير طلبات الترخيص، بما يمنح المستوى الترابي دورا أكبر في مواكبة حاجيات النقل والاستجابة لها داخل آجال أقصر.
وربط الوزير هذه التدابير بتعزيز اللامركزية ونقل الاختصاصات من الإدارة المركزية إلى الجهات والأقاليم، مبرزا أن العمال والولاة، بحكم قربهم من الواقع المحلي ومعرفتهم بخصوصيات المناطق التي يشرفون عليها، يتوفرون على معطيات تساعد في تحديد الأولويات وتقدير الحاجيات.
كما أشار إلى وجود ممثلين للوزارة بمختلف الجهات والأقاليم، بما يتيح تعزيز التنسيق بين المصالح المعنية وتسهيل تدبير الملفات على المستوى الترابي.
وتتجه الأنظار، في هذا السياق، إلى الدراسة التي أعدتها الوزارة، باعتبارها خطوة منتظرة لتحديد الحاجيات حسب الأقاليم وتوفير معطيات تساعد على توجيه التدخلات المقبلة. وسيظل مدى نجاعة هذا التوجه مرتبطا بترجمة نتائج الدراسة إلى إجراءات عملية، وبقدرة التنسيق بين القطاعات والسلطات الترابية على تحويل المعطيات المتوفرة إلى خدمات تستجيب لانتظارات المواطنين.
وبين تسريع الترخيص وتوسيع النقل المزدوج وإعادة توزيع الاختصاصات، يظل تنظيم النقل بالمناطق القروية والجبلية ورشا يتجاوز التدبير الإداري إلى تحدي تحقيق العدالة المجالية وتحسين ظروف العيش.