المعارضة تقترح على الحكومة وصفتها لكبح الغلاء
قدمت فرق برلمانية من المعارضة والأغلبية، خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، مجموعة من المقترحات الرامية إلى الحد من ارتفاع الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمغاربة، في ظل استمرار الضغوط التي تواجهها الأسر بسبب تكاليف المعيشة.
وتوزعت المداخلات بين الدعوة إلى معالجة اختلالات سلاسل الإنتاج والتوزيع، ومراجعة آليات الدعم الاجتماعي، وتعزيز الشفافية في الأسواق والصفقات العمومية، إلى جانب المطالبة بإجراءات عملية تضمن انعكاس التدابير الحكومية على الأسعار التي يؤديها المستهلكون.
ودعا عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، إلى إحداث منصة رقمية تتيح للمواطنين مقارنة أسعار المنتجات المتطابقة لدى مختلف الشركات، معتبرا أن تفاوت الأثمان يطرح تساؤلات بشأن شفافية التسعير ومستوى المنافسة.
كما شدد على ضرورة التصدي للاحتكار في قطاعات حيوية، خصوصا اللحوم والدواجن، مشيرا إلى معطيات عرضها خلال المناقشة تفيد بسيطرة فاعلين اثنين على أكثر من 50 في المائة من سلسلة قطاع الدواجن، وهو ما اعتبره مؤشرا يستدعي تعزيز المراقبة وحماية المستهلكين من الاختلالات المحتملة في السوق.
وفي ما يتعلق باللحوم الحمراء، انتقد بووانو استمرار ارتفاع الأسعار رغم استيراد نحو 300 ألف رأس من الماشية والاستفادة من إعفاءات ضريبية وجمركية، متسائلا عن مدى انعكاس هذه التدابير على أثمان البيع للمستهلكين والجهات المستفيدة منها.
واقترح التوجه نحو موريتانيا لتأمين واردات إضافية من الماشية، مستحضرا تقديرات بشأن توفرها على نحو 5 ملايين رأس، كما طرح إمكانية استيراد ما بين مليون ومليوني رأس وإحداث مجزر معتمد بمنطقة الكركرات لتوجيه اللحوم مباشرة إلى السوق المغربية، معتبرا أن المقترح يستحق الدراسة في إطار البحث عن حلول لتقليص تكاليف الاستيراد والتوزيع.
وربط المسؤول الحزبي معالجة الغلاء بضرورة دعم الفلاحين والكسابة الصغار وإعادة بناء القطيع الوطني، من خلال مساعدتهم على اقتناء إناث الماشية وتوفير شروط استمرار نشاطهم، بدلا من الاكتفاء بإجراءات لا يظهر أثرها، بحسب تقييمه، في الأسعار النهائية.
كما دعا الحكومة إلى الاستعداد المبكر لشهر رمضان وعيد الأضحى، بالنظر إلى ما يرافقهما من ارتفاع في الطلب على اللحوم، مستحضرا أرقاما أوردها خلال مداخلته بشأن تطور الأسعار، تشمل زيادة بنسبة 4 في المائة في أسعار اللحوم والخضر والفواكه، و3 في المائة في المحروقات، و9.4 في المائة في خدمات النقل، مقابل معدل تضخم بلغ 1 في المائة خلال شتنبر وفق المعطيات التي استند إليها.
وامتدت مقترحات بووانو إلى مجال تدبير المال العام، إذ دعا إلى إحداث منصة إلكترونية تنشر تفاصيل مشتريات الإدارات والمؤسسات العمومية، بما يشمل الأسعار والموردين والجهات المشترية، لتمكين المواطنين والجهات المعنية من مقارنة أثمان السلع والأشغال المتشابهة ورصد الفوارق بينها.
كما طالب بالاستفادة من الملاحظات المتكررة التي تكشفها عمليات المراقبة الضريبية لتطوير الإجراءات القانونية وتحسين الامتثال الضريبي، منتقدا، في سياق آخر، عدم الاستفادة الكافية، بحسب رأيه، من التقارير البرلمانية وتقارير مجلس المنافسة المتعلقة باختلالات الأسواق وقنوات التوزيع.
من جهته، اعتبر توفيق كميل، النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، أن إحداث شركات جهوية لتجميع المنتجات الفلاحية وتسويقها وتوزيعها يمثل خطوة يمكن أن تسهم في تقليص عدد الوسطاء والحد من كلفة وصول المنتجات إلى المستهلك.
لكنه شدد على أن نجاح مشروع قانون المالية لسنة 2027، باعتباره أول مشروع مالية في الولاية التشريعية والحكومية الحالية، ينبغي أن يقاس بمدى تأثير إجراءاته على الحياة اليومية للمواطنين، ولا سيما الفئات الهشة والطبقة المتوسطة والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وليس فقط بحجم التدابير المعلنة.
وسلط كميل الضوء على تراجع القدرة الشرائية، مشيرا إلى أن الأسعار ارتفعت منذ سنة 2017 بنحو 21 في المائة بشكل عام، وبنسبة 29 في المائة بالنسبة إلى المواد الغذائية، وفق الأرقام التي عرضها أمام اللجنة.
وأوضح أن مبلغ 100 درهم لم يعد يتيح للأسر اقتناء الكميات نفسها من المواد الأساسية التي كانت تشتريها في السابق، محذرا من أن ارتفاع كلفة الغذاء يضغط بصورة أكبر على الأسر محدودة الدخل التي تخصص جزءا مهما من مواردها للاستهلاك اليومي.
كما دعا إلى مراجعة طرق استهداف المستفيدين من الدعم الاجتماعي، وتوضيح معايير الاستفادة وأسباب توقيفها بلغة مفهومة، مع اقتراح منح المسنين المصابين بأمراض مزمنة مهلة انتقالية تتراوح بين 6 أشهر وسنة قبل انقطاع الدعم عنهم عند تغير وضعيتهم الاجتماعية.
وتكشف المقترحات التي طُرحت خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن تباين في أساليب معالجة الغلاء، مع تقاطع المداخلات حول ضرورة تحسين أداء الأسواق وضمان وصول أثر التدابير العمومية إلى المستهلك النهائي.
وبين الدعوة إلى محاربة الاحتكار، وتوسيع شفافية الأسعار، وإعادة توجيه الدعم نحو الفئات الأكثر هشاشة، وتطوير قنوات توزيع المنتجات الفلاحية، يبقى التحدي المطروح أمام الحكومة هو تحويل هذه التصورات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يخفف الأعباء عن الأسر ويعزز الثقة في السياسات العمومية.