الزحف الكبير على سبتة..ما الذي أفاض الكأس؟ – الجريدة 24

الزحف الكبير على سبتة..ما الذي أفاض الكأس؟

الكاتب : الجريدة24

27 مايو 2021 - 02:52
الخط :

محمد حسين- المركز المغربي للديمقراطية والأمن

خلق زحف أزيد  من 800 شخص نحو الثغور المحتلة سبتة ومليلية، أزمة  كبيرة بين المغرب وإسبانيبا.

وبحسب أعضاء في حكومة المغرب وسلطاته العمومية فإن الأمر يتعلق ب”مد رجل”،”واستقبال مدريد لزعيم البوليزاريو بهوية مزورة””  بأفعال لها عواقب يجب تحملها”  .في حين ترى مدريد هده الواقعة ابتزازا وتخلي عن المسؤولية المشتركة في حماية الحدود.

والواقع أن الأمر يتعلق بتردد اهتزازي لموجة زلزال توجد بؤرته في أقصى جنوب المغرب: الصحراء.

لم تستسغ الدول المجاورة ذات العلاقة المباشرة وشبه المباشرة  بملف الصحراء ،ومنها اسبانيا ،التغيير العميق الذي أحدته المغرب في  إحداثيات الملف .فتدريجيا لم يعد للاستفتاء مكان ضمن خيارات مستقبل الصحراء .و في حين اختفت عبارة الاستفتاء من قرارا مجلس الأمن طوال العقد الأخير تكرس “الحكم الذاتي كمقترح “جدي ودي مصداقية”.

إن تحرير الكركرات ،وتامين المعبر نحو العمق الإفريقي للمغرب بضم الجزء من المنطقة العازلة الذي يشمله إلى ماوراء الجدار الأمني، واعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء ،قد أربك حسابات الجوار.

حسابات تقوم على رفض وعرقلة  الوحدة الترابية والوطنية للمغرب.

لقد بدا واضحا أن السلطات المغربية ،ومند أزيد من عقد ،قد أعادت قاطرة الصحراء إلى مقدمه مشروعها الوطني..ومن اجل ذلك وفي تفاعل معه  غيرت من نهجها الديبلوماسي  واضعة نصب أعينها إحداث تغيير في جيوبوليتيك الإقليم يمهد للطي النهائي لمشكل الصحراء .

     نهج يعتمد الاندفاع والبراغماتية ويعلي من المصلحة.

إن التشنج الحالي في العلاقة مع اسبانيا ،كما هو الحال في العلاقة مع ألمانيا، هو  أحد أعراض هده التحولات.

أقدم المغرب خلال العشريتين الأخيرتين على عدد من الإصلاحات التي طالت “مسندات ” تحول نهجه الديبلوماسي لعل أهمها:

اقتراح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بتنسيق مع الحلفاء التقليديين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والنجاح في  حمل مجلس الأمن على اعتبار دول الجوار موريتانيا و خصوصا الجزائر كأطراف أساسية في المفاوضات؛

العودة إلى الاتحاد الإفريقي في يناير 2017 وترك سياسة الكرسي الفارغ التي سمحت للجزائر  بشبه استفرادها  بالتأثير على قرارات المنظمة الإفريقية في ملف الصحراء ؛

سلك  دبلوماسية افريقية اقتصادية واسعة شملت مجالات إستراتيجية كالابناك والخدمات والاتصالات والبنيات التحتية والصناعات الصيدلية  والنقل الجوي  ليصبح  المغرب رابع مستثمر دولي في إفريقيا بعد فرنسا والصين وإفريقيا الجنوبية   (احتلت فرنسا المرتبة الثانية من حيث الاستثمارات في السوق الإيفوارية بعد المغرب)

استثمار الحضور الروحي المغربي في إفريقيا الغربية ووضع وانجاز خطة لتكوين الأئمة والمرشدات على أساس الإسلام المعتدل لمحاصرة انتشار التظرف العنيف والإرهاب؛

تكريس دور حيوي للمغرب في المساهمة في حل الأزمات السياسية في البلدان الافريقية التي مزقتها الحروب الأهلية، كليبيا ومالي وساحل العاج، والكونغو وافريقيا الوسطى وليبيريا؛

مراكمة خبرة  معتبرة في مجال  مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة الدولية ليصبح المغرب  احد المراجع الرئيسية في الموضوع وخاصة على مستوى  أوروبا وافريقيا  التي أضحى فيها طرفا مهما في تأمين  الساحل والصحراء،.

إطلاق دينامية في مختلف المحافل والتجمعات الإقليمية والدولية وعل المستوى الثنائي مكنت من تقليص عدد المعترفين بالبوليزاريو ‘لى أقلا من 30 دولة بعد أن كان عددها يتجاوز ال80.

مواصلة فتح  القنصليات في مدينتي الداخلة والعيون..

الاضطلاع  بدور محوري في امن المنطقة المتوسطية، مكنه من تكريس نفسه لاعبا أساسيا في مجال التعاون الأمني ومحاربة الإرهاب الدولي، وشريكا موثوقا موثوقا الأوروبية؛

وكان طبيعيا أن يعمد المغرب إلى العمل من أجل “حصد عائد هذه التحولات على مستوى ملف الصحراء ،وخاصة بعد أحداث الكركرات في نونبر الماضي ،والاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الأقاليم الجنوبية ، ودلك بمطالبة أطراف الجوار والدول التي تربطها علاقات استراتجيه معه بمواقف أكثر وضوحا إلى جانبه فيما يتعلق بملف الصحراء.

سيطدم  هدا الطموح بجوار إ قليمي وأوروبي متخوف من تقوية المغرب لمقدراته الخاصة والتي  يعتبر استكمال وحدته الترابية والوطنية وانهائه لملف الصحراء ،مدخلا لها… وتشكل الحالة الاسبانية نموذجا لهدا التخوف  كما تشكل العلاقة معها  مختبرا للطموح الوطني  في علاقات ديبلوماسية ندية ،ومبنية على المصالح المشتركة . ولقد  شكل التأجيل المتكرر للقمة الاسبانية المغربية مظهرا واضحا لكل دلك  ومقدمة  لما  ستنتهي بأزمة سبتة الحالية.  إن زيارة  رئيس الحكومة الاسبانية ووزيره في الداخلية إلى مدينة سبتة ونشر الجيش الاسباني بهده الأخيرة وما رافق دلك من تصريحات متشنجة  علبها ودعوة المغرب لسفيرته باسبانيا للتشاور  ليست إلا تفاعلات لما سبق من مقدمات.

أزمة “بن بطوش” ليست هي أولى الأزمات  في العلاقة المغربية الاسبانية خلال العهد الجديد. ومن ابرز هده الأزمات ،أزمة جزيرة ليلة ،وزيارة ملك اسب بانيا لمدينتي سبتة ومليلية في 2007 ،وقرار المغرب بعدم تجديد اتفاقية الصيد البحري من الاتحاد الأوروبي سنة 2011  ،واعتراض  يخت الملك محمد السادس من طرف الحرس البحري الاسباني سنة 2014 وأخيرا تصريحات العثماني بشأن سبتة ومليلية في دجنبر 2020. غير أن الأزمة الحالية مرتبطة أكثر بالطبيعة المتجددة للدبلوماسية المغربية وبطبيعة اشتراطات المغرب في العلاقات مع الدول الأخرى والتي توجد قضية الصحراء في  صلب الميزان الذي يحكمها.

ف”المغرب ورغم حرصه على الحفاظ على علاقاته الإستراتيجية بحلفائه، فقد توجه في الأشهر الأخيرة نحو تنويع شركائه.. فالمغرب حر في قراراته واختياراته، وليس محمية تابعة لأحد”  كما جاء في خطاب الملك محمد السادس فيي الرياض سنة 2016 . و”لن يقبل مستقبلا من الدول الحديث  عن حل عادل ودائم بل الحديث عن مقترح الحكم الذاتي كأرضية لحل النزاع” حسب وزير الخارجية المغربي مؤخرا.

وينطوي رفض المغرب لاستقبال زعيم البوليساريو  في الأراضي الاسبانية بهوية منتحلة، على عدم قبوله باستخفاف اسبانيا بمصالحه الحيوية…مقابل  الخدمات الكبيرة التي يقدمها خدمة لعلاقات الجوار..كما ينطوي على رفض قوي وبصوت مرتفع للتعالي الاسباني المفرط  وللحنين الفرنكاوي المحرك له  والذي  كان من ابرز مظاهره التدخل المباشر في موضوع اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحراءه ؛ إذ لم تكتف بالتعبير عن “رفض !!!” هدا الاعتراف بل وأعلنت  عن توجهها لإدارة بإيدن من أجل مطالبتها بإلغائه…

ولقد ساهمت عدد من التطورات المصاحبة  في جاهزية اسبانيا للتشنج ضد المغرب وضد احتمالية تحوله إلى قوة منافسة من قبيل إنشاء ميناء طنجة المتوسطي ، وتقوية البنية التحتية بمدن الشمال المغربي، وخطوات  حماية المغرب لمصالحه الاستراتيجية ، مثل منع التهريب المعيشي القادم من المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، وما نتج عنه من شل للحياة الاقتصادية وترسيم المغرب لحدوده البحرية وإنشائه لمنطقة صناعية بحرية  حرة حسب مقتضيات اتفاقية مونيتغو باي (الجامايكا) دجنبر 1982؛ بالإضافة إلى ملف “تقنين الكيف”.

وإدا كان نجح المغرب في جعل ملف  إبراهيم غالي محورا ساخنا داخل الحكومة الإسباني والاتحاد الأوروبي  وفي جعل الضغط الإعلامي والسياسي  يعجل  بتحديد القضاء الإسباني لاستدعاء لزعيم البوليساريو للاستماع إليه في قضية تعذيب واختطاف.  كما في  خلق الفرصة لتوضيح وجهة نظره  في الطبيعة التي يجب أن تكون عليها العلاقات المغربية الاسبانية .. فما هي أفاق  الأزمة مع اسبانيا وكيف للمغرب أن يحافظ على زحم التطور الحاصل في أدائه الديبلوماسي والحفاظ على المكتسبات المحققة في إطاره ..

الواقع أن المصالح المغربية الاسبانية المشتركة متعددة مبنية على عدد من الفات الرئيسية في مقدمتها  ملف المصالح الاقتصادية حيث تعتبر اسبانيا أول شريك اجنبي  للمغرب وملف حيث يقوم المغرب بدور الدركي والحارس للحدود الأوروبية مقابل دعم هزيل..كما أن عدد المغاربة المقيمين بإسبانيا يتجاوز ال800000 …وملف ملف التعاون الأمني والاستخباراتي،  إذ ساعدت الأجهزة الأمنية المغربية على تجنيب اسبانيا وعدد من الدول الأوروبية حمامات دم ،  وهو ما دفع اسبانيا وفرنسا إلى توشيح رموز الأمن  لمرات.. وكلها ملفات ستتأثر باستمرار الازمة وتواصلها..

من المستبعد أن  تتطور هده الأزمة الدبلوماسية إلى قطع أو تجميد العلاقات بين الجارين؛ لكن تعديلات مهمة وإعادة للنظر من المفترض أن تطال العلاقة الثنائية بين البلدين تعديلات وإصلاحات  بمثابة إطار جديد للشراكة والتعاون مبني على القبول بالتطور الذي عرفه المغرب والإقرار باحترام المصالح الخاصة  بكل من الطرفين وإيجاد آليات فعالة للتشاور والحوار.

إن اسبانيا التي لا تلعب أي دور  دبلوماسي حقيقي في المحيط الافريقي القريب وخاصة في قضاياه المرتبطة بموضوعات الهجرة والأمن والإرهاب تحتاج أكثر من أي وقت مضى للمغرب ولأدواره وقدراته في هدا المجال.

ومن جهة أخرى ومن أجل تجاوز وقع الجوار غير المساعد جنوبا وشرقا وشمالا فسيكون على المغرب مواصلة دبلوماسية متعددة الأطراف ومنفتحة على مختلف القوى الفاعلى دوليا  ومواصلة تجنب وضع البض في سلة واحدة.

آخر الأخبار