إصلاح التقاعد في المغرب.. رهان بين أرقام الاستدامة ومطلب الكرامة
د. شكري عبد الخالق دكتور في الحقوق – باحث في قضايا الحماية الاجتماعية
في خضم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، يطفو مجدداً إلى السطح أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للنقاش: إصلاح نظام التقاعد.
ملف يختزل معادلة صعبة بين منطق الأرقام الباردة لمن يبحث عن توازنات مالية، وصوت الإنسان الدافئ لمن يطالب بعدالة اجتماعية تحفظ كرامة المتقاعدين بعد عقود من العمل والعطاء.
أزمة صامتة تتفاقم في الظل
ليست أزمة التقاعد وليدة اللحظة. فالتقارير الرسمية، من المجلس الأعلى للحسابات إلى اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد، دقّت ناقوس الخطر منذ سنوات، فالأرقام تكشف أن عدداً من الصناديق تعيش اختلالات هيكلية عميقة تهدد قدرتها على الاستمرار.
على سبيل المثال، الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) يواجه عجزاً تقاعدياً متصاعداً، إذ يُتوقع أن تنفد احتياطاته خلال سنوات قليلة إذا استمرت المعايير الحالية، في حين يعيش الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) ضغطاً متزايداً مع إدماج فئات جديدة من العاملين لحسابهم الخاص والمهنيين المستقلين في نظام الحماية الاجتماعية.
السبب الجوهري لهذا الخلل يعود إلى تحول الهرم الديمغرافي المغربي: عدد النشيطين الذين يساهمون يتراجع مقارنة بعدد المتقاعدين الذين يستفيدون.
ففي الوقت الذي كان فيه في بداية الألفية أكثر من 6 منخرطين يمولون معاش متقاعد واحد، تقلص هذا الرقم اليوم إلى نحو 3، مع توقعات بمزيد من الانخفاض في العقد المقبل.
الاستدامة المالية… ضرورة لا خيار
تدرك الدولة أن الاستدامة المالية شرط أساسي لأي نظام تقاعدي متوازن.
فالعجز المتراكم يعني بالضرورة إما زيادة في الاقتطاعات أو تراجعاً في المعاشات أو دعم مالي من الخزينة العامة، وهو ما يشكل عبئاً متنامياً على ميزانية الدولة.
لهذا جاءت توصيات الإصلاح بتدابير تقنية مثل:
رفع سن الإحالة على التقاعد تدريجياً من 63 إلى 65 سنة.
زيادة نسبة المساهمات من الأجراء والمشغلين.
مراجعة طريقة احتساب المعاش باعتماد معدل الأجر خلال كامل المسار المهني بدل آخر أجر.
هذه الإجراءات تبدو منطقية من زاوية مالية، لكنها تثير حساسية اجتماعية كبيرة، إذ يشعر العديد من الموظفين والعمال بأنهم يتحملون وحدهم كلفة إنقاذ النظام.
العدالة الاجتماعية… جوهر الإصلاح الحقيقي
لكن التقاعد ليس مجرد توازن حسابي بين المداخيل والنفقات، إنه في العمق عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، يقوم على مبدأ الإنصاف والتكافل بين الأجيال، فحين يُطلب من العامل أو الموطف أن يشتغل سنوات أطول، ويدفع مساهمات أكبر، ثم يتلقى معاشاً لا يضمن له حياة كريمة، يصبح الحديث عن "الإصلاح" ناقصاً من دون عدالة اجتماعية.
العديد من النقابات تعتبر أن أي إصلاح لا يُراعي القوة الشرائية للمتقاعدين ويضمن الحد الأدنى من العيش الكريم لن يكون إصلاحاً بل مجرد تسوية محاسبية. كما تطالب بضرورة تحسين حكامة الصناديق ومراجعة أساليب تدبيرها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن سوء التسيير كان أحد أسباب العجز.
نحو نظام تقاعد موحد ومتعدد الدعائم
تتجه الحكومة حالياً، بتوصية من اللجنة الوطنية، إلى إعادة هيكلة شاملة لأنظمة التقاعد عبر خلق نظامين رئيسيين:
قطب عمومي يجمع موظفي الدولة والمؤسسات العمومية.
قطب خاص يشمل أجراء القطاع الخاص والمستقلين.
ويُرتقب أن تُدمج هذه الأقطاب تدريجياً في نظام وطني موحد يضمن الحد الأدنى من الإنصاف بين جميع المساهمين، مع اعتماد آليات تضامنية لحماية الفئات الضعيفة، الهدف من هذا المسار هو توسيع قاعدة المنخرطين وتحقيق نوع من العدالة بين مختلف الفئات المهنية، حيث لا يُعقل أن يتقاضى موظف معاشاً يفوق بثلاثة أضعاف معاش عامل اشتغل المدة نفسها في القطاع الخاص.
ورش الحماية الاجتماعية.. فرصة لإعادة التوازن
إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية سنة 2021 فتح أفقاً جديداً أمام إصلاح التقاعد.
فإدماج الملايين من العمال غير المهيكلين والمستقلين في أنظمة التغطية الصحية والتقاعد سيساهم في توسيع قاعدة المساهمين، ويمنح الصناديق نَفَساً مالياً جديداً على المدى المتوسط.
لكن هذا المسار يتطلب إرادة قوية وإدارة فعالة لتفادي البيروقراطية وضمان انخراط فعلي لكل الفئات.
ثقة المواطن.. حجر الزاوية
مهما كانت الحلول التقنية متقدمة، فإن نجاح الإصلاح يظل رهيناً بعنصر واحد هو ثقة المواطن.
فلا يمكن للأجراء أو المتقاعدين أن يتقبلوا التغييرات المؤلمة إلا إذا شعروا بأن النظام يُدار بشفافية، وأن أموالهم تُستثمر بحكمة، وأن صوتهم مسموع في صياغة القرارات.
الثقة تُبنى بالمصارحة، وبنشر المعطيات المالية بانتظام، وبمأسسة الحوار الاجتماعي.
فالإصلاح لا يُفرض، بل يُبنى بالتوافق، لأن المعاش ليس امتيازاً بل حقّاً مكتسباً بعد سنوات من الكدّ والعطاء.
نحو معادلة ممكنة
بين منطق الاستدامة المالية ومطلب العدالة الاجتماعية، يجد المغرب نفسه أمام خيار صعب ولكنه ضروري. الإصلاح العادل لا يعني فقط إنقاذ الصناديق من الإفلاس، بل أيضاً ضمان كرامة المتقاعد، والاعتراف بقيمة العمل الإنساني.
إن بناء نظام تقاعد متوازن وعادل هو استثمار في الثقة والاستقرار، قبل أن يكون مجرد إجراء مالي. فالمعادلة ليست مستحيلة إذا توفرت الرؤية، والمسؤولية، والجرأة السياسية.
وفي النهاية، يظل التقاعد مرآة تعكس مدى نضج المجتمع في رعاية أبنائه بعد العطاء…
والمطلوب اليوم أن نُصلح الأرقام، لكن دون أن نُفرّغ الإنسان من المعنى