باب أكناو...درة الأبواب وروح المدينة الحمراء
أمينة المستاري
كانت الأسوار العتيقة التي تطوق المدينة العتيقة لـمراكش تخترقها بوابات شامخة، شكلت عبر القرون نقاط عبوٍ وهيبة، ومداخل للتجارة والحياة والسلطة.
فـباب الرب، بلونه الأحمر المغري، ارتبط بمراقبة دخول بعض السلع والمشروبات، بينما كان باب الخميس يفتح الطريق نحو السوق الأسبوعي الذي حمل اسمه، في إشارة إلى يوم انعقاده.
أما باب دكالة فكان مدخل الشمال، مدعوما ببرجين مربعين يعلنان قوة المدينة، في حين يقود باب الدباغ إلى حي الدباغين عبر ممر منكسر يتألف من خمسة انعطافات دفاعية متتالية تعود إلى العصر المرابطي، ويظل باب الجديد أكثر الأبواب حركية، يتوسط المجال بين قصر المامونية ومنطقة الحي العصري.
أما باب أكناو فيوصف ب" درة الأبواب" وأشهرها، هو تحفة معمارية فريدة، وأحد أجمل الشواهد على عبقرية الفن الموحدي وروح المدينة الحمراء.
يقع "باب أكناو" في الزاوية الشمالية الغربية من قصبة مراكش، غير بعيد عن باب الرب، ويفصل بين القصبة الملكية وبقية المدينة. شيد في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، ما بين 1188 و1190م، في عهد الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور، ضمن مشروع تأسيس القصبة الملكية.
كان الباب المدخل الرئيسي للقصبة، وصمم بهندسة دفاعية دقيقة: دهليز مقبب واسع يفرض على الداخل أن ينعطف بزاوية قائمة قبل الخروج، في نظام يربك أي مهاجم محتمل، وأحاطت به في الأصل أبراج محصنة تعلوها شرفات يمكن بلوغها عبر درج داخلي، في مشهد يشبه أبواب الموحدين الكبرى مثل باب الرواح وباب الوداية بالرباط.
باب أكناو...من فضاء المدينة إلى حرمة الحكم
غير أن باب أكناو لم يكن دفاعيا فحسب؛ فقد كان احتفاليا وزخرفيا بالدرجة الأولى، لأنه باب داخلي داخل الأسوار، يعلن الانتقال من فضاء المدينة إلى حرمة الحكم.
شيدت واجهة الباب من الحجر الرملي المستخرج من منطقة جليز، بلون أزرق رمادي تحول مع الزمن إلى حمرة خفيفة بفعل الرياح المحملة برمال الصحراء.
تحيط بالقوس الأصلي أشرطة نصف دائرية متناوبة بين زخارف مشعة وأخرى متشابكة، فيما ازدانت الزوايا بزخارف نباتية تتوسطها صدفة منحوتة بدقة، ويعلو ذلك كله إفريز طويل منقوش بآيات قرآنية بالخط الكوفي المورق، مقتطفة من سورة الحجر، في انسجام بديع بين القداسة والجمال الهندسي، وعلى جانبي الواجهة أعمدة حجرية يرجح أنها كانت تدعم مظلة، أو شكلت عنصر انتقال زخرفي بين الواجهة والأبراج المحيطة.
تعرض الباب عبر العصور لتغييرات معمارية؛ فقد اختفت الأبراج الأصلية والدهليز الكبير، واستبدل جزء من القوس بقوس أصغر مبني من الطوب، ويرجح أن هذه التعديلات تمت في عهد السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله الذي أضاف فناء صغيرا خلف البوابة.
وفي ستينيات القرن العشرين، خضع الباب لعملية ترميم أشرف عليها المعماري الفرنسي شارل ميسو، أعادت له جزءا من بريقه التاريخي.
لم يظل باب أكناو مجرد معلمة أثرية؛ فقد طبعت صورته على أوراق العملة المغربية في عهد الملك محمد الخامس، تكريما لرمزيته التاريخية والجمالية، وتحول إلى أيقونة تختصر مجد مراكش الموحدية.
عبر باب أكناو مر الجنود والقادة، وسارت المواكب الرسمية، وارتفعت أصوات الخيول والأسواق، وتعاقبت الدول من الموحدين إلى المرينيين فالعلويين.
يقف الباب شامخا، يجذب الباحثين والسياح، ويجسد قدرة المعمار المغربي على الجمع بين الصلابة الدفاعية والرهافة الفنية...هو ليس مجرد مدخل حجري، بل ذاكرة قائمة… بوابة تحرس التاريخ، وتروي للأجيال كيف كانت مراكش مدينة تبني الجمال كما تبني الحصون.